التخطي إلى المحتوى الرئيسي

شهر النسيء ، وهل رمضان يأتي في رمضان ؟؟


يتردد سؤال / هل نحن نصوم رمضان في وقت رمضان ام ان شهر رمضان الذي نصومه ليس هو الشهر المحدد من قبل الله بحسب مواقع الشهور في التقويم الفلكي او بحسب الحسابات الفلكية القمرية ؟.

الإشكالية بشكل مختصر / 
هناك من بنى مفهوم كبير حول الآية ٣٧ الواردة في سورة التوبة والتي تتحدث عن ( النسيء) :
إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ۖ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ ۚ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ

يقولون ان هناك شهر يسمى شهر النسيء أي الشهر المتأخر وهذا الشهر المفروض ان يضاف كل عدت سنوات لكي يُعدّل (يُقوّم) انحراف التقويم القمري ، ولان المسلمين لا يستخدمون هذا الشهر فقد خرجت الشهور من مواقعها فأصبح شهر رمضان يأتي في غير وقته بسبب ذلك الانحراف وبالتالي الحج ايضاً خرج عن وقته.

أصحاب هذا الإشكالية يوردون بعض العلل لدعم ما يذهبون إليه ومنها ، ان شهر رمضان يجب ان يكون في وقت اعتدال الجو أي في وقت الخريف تقريباً ، وبعد ذلك سيأتي الحج في وقت الشتاء وهذا افضل للحجاج من شدة الحر ، وان مُعدل ساعات الصيام في الصيف يكون اعلى بكثير من لو كان الصيام في غير الصيف ، بالمقابل هناك من يصوم ١٨ ساعة في بعض الدول بسبب التوقيت الخاطئ لاحتساب شهر رمضان الناتج من عدم الاخذ بشهر النسيء.
كما انهم يُنكرون ان شهر رمضان يدور مع الفصول فمرة يأتي في الشتاء ومرة في الصيف وهكذا يدور مع فصول السنة ويرون ان هذا خطأ وبسبب انحراف التقويم القمري ايضاً.

ارجو ان أكون لخصت الإشكالية بشكل جيد ولمن أراد المزيد يمكن البحث في الانترنت عن مواضيع (التقويم القمري وشهر النسيء).

------------------------------------

اولاً :
أريد ان انظر في المعاني المحتملة للآية محل البحث وهي آية ٣٧ من سورة التوبة :
-       الآية تتحدث عن زيادة في الكفر فما هو الكفر الذي كانوا عليه حتى نفهم الزيادة ؟.
-       من جانب اخر سياق الايات يتحدث عن المشركين فما علاقة ذلك السياق بالكفر ؟.

الآية التي تسبق هذه الاية تتحدث عن الأشهر الحُرم وتحذر من ان يظلم فيها الانسان نفسه ، والظلم هنا هو التعدي بأي شكل من أشكال التعدي على النفس او الاخرين احتراماً لحرمة هذه الأشهر الحُرم.

ثم ينتقل السياق في الحديث عن من يعبث بهذه الأشهر الحرم وحرمتها ، بحيث يُحلها لكي يظلم فيها ويعتدي من حيث تأخيرها عن موعدها ، فمثلاً (يُنسيء) أي يؤخر الشهر الحرام عن موعده فيصبح الاعتداء بزعمهم حلال في هذا الشهر ، ويفعلون ذلك بتحليله عام وتحريمه عام اخر.

من يفعل ذلك يعلم علم يقين حُرمة هذه الأشهر ومع ذلك كفر بحُرمتها والكفر هنا ليس المقصود فيه الكفر بالله فهم مشركون كما يظهر ذلك في سياق الآيات ، بل هو كفر بحرمة الأشهر الحُرم بعد علمهم بحُرمتها ، وفوق انهم كفروا بها إلا ان كفرهُم يزيد في الطغيان والظلم بتحليل الاعتداء فيها من خلال (النسيء) ، لذلك قال الله تعالى إنما النسيء زيادة في الكفر ، أي تحليل الشهر الحرام هو الزيادة في الكفر.

هذه توضيح سريع لفهم الآية والسياق الذي أتت فيه.
معلومة (الكفر هو العلم بالشيء ثم الجحود به).

ثانياً :
لا يوجد في الآية أي معلومة او إشارة لمفهوم (شهر النسيء) أي الشهر الذي يضاف كل عدد من السنوات لتعديل إنحراف التقويم القمري ، الآية تبين تحليل وتحريم من خلال التأخير للشهر الحرام فقط لا أكثر.

ثالثاً :
عندما ذكر الله ان عدت الشهور هي إثناعشر شهر منها أربعة حُرم لم يُحدد لنا متى يبدأ العام لهذه الأشهر ، أي الشهر رقم واحد ورقم إثنين وهكذا حتى شهر الثاني عشر من كل عام ، كما لم يحدد عدد أيام الشهر هل هي ثلاثين يوم وهل الأشهر متساوية في عدد الأيام ام لا.

هذا يعني ان الامر متروك للبشر وقدرتهم في استغلال الأدوات المتاحة لهم من قبل الله في احتساب ذلك من خلال الشمس والقمر او الليل والنهار ، وبما ان حركة الشمس والقمر حركة دقيقة جداً لذا جعلها الله وسيلة للحساب.
وعليه حدد الإنسان عدد ايام الشهر وقد تتطابق الشهور بالعدد وقد تختلف وفقاً لحسابات الإنسان ، كما حدد عدد ايام العام.

رابعاً :
التقويم خاضع للمعارف البشرية وليس لهُ علاقة بالدين.
فتحديد فصول السنة الأربعة خاضع للمشاهدات والمعارف البشرية التي تراكمت عبر الزمن ، فحددت لكل فصل نجومه وأنواءه وطوله بثلاثة شهور يتميز فيها كل فصل بصفات تختلف عن الفصل الاخر ، ثم رُبطت الزراعة والملاحة وتكاثر الحيوانات وبعض الأعمال بكل فصل من هذه الفصول وذلك بحسب تراكم المشاهدات حول ما يحدث في كل فصل.

ملاحظة : القران ذكر الشتاء والصيف فقط ، ولم يذكر الربيع والخريف.

خامساً :
التقويم القمري ، التقويم الشمسي
التقاويم بشكل عام هي إنتاج بشري ناتج من تراكم المشاهدات والمعارف وقد استخدمها وطورها الإنسان لحاجته إليها ، هذه التقاويم تعتمد على حركة الشمس والقمر ونسبة الخطأ في تلك الحركة معدومة او صفر ، بالمقابل الخطأ وأرد وبقوة من قبل الإنسان عند عمل التقويم المعتمد على تلك الحركة ، وقد قلص الإنسان من نسبة الخطأ في التقويم مع الوقت ومع تطور أدوات المراقبة والقياس لتلك الحركة الدقيقة للشمس والقمر ، ولا يزال الخطأ وارد الحدوث.
بالتالي تعديل الخطأ وارد كما ان انعدام الخطأ من الإنسان مستحيل.

سادساً :
لم أجد وبحسب بحثي البسيط أي معلومة او إشارة في كتاب الله تُبين ان للشهور مواقع مرتبطة بها بالتالي أي خطأ في حسابات تلك الشهور قد يُخرج الشهر من موقعه الذي حدده الله ، مما ينتج عنه خلل في مواقع الشهور بحيث يصبح رمضان خارج عن موقعه الذي حدده الله له ، وعليه سيصوم الناس رمضان في غير شهر رمضان ، ويحج الناس في غير موعد الحج ..!!

سابعاً :
أخلُص إلى ان الدين ليس لهُ علاقة بمواقع الشهور بالتالي فرمضان شهر ليس له موقع ويمكن أن يدور على جميع فصول السنة.

كما ان صيام رمضان في الصيف وطول ساعات النهار مقابل الليل ، او وجود صائمين في أماكن مختلفة على الأرض تتباين فيها ساعات الصيام بينهم بشكل حاد ليس له علاقة بموقع الشهر من فصول السنة ، وهذا التباين في ساعات الصيام ينظُر له البعض على ان هذا ليس من العدل الإلهي ، لذا وبحسب زعمهم لا بد من إضافة شهر (النسيء) حتى ينضبط التقويم ويأتي رمضان في وقت إعتدال الزمن بحيث تتقارب ساعات الصيام بين الصائمين مع أختلاف مواقعهم.

هذا فهم خاطئ لمفهوم العدل الإلهي ، لان التقويم وحساباته شأن بشري ولا يمكن ان يتعلق العدل الإلهي بحسابات بشرية.

ثامناً :
الصيام والحج وجميع العبادات لا تخضع لبيئة الإنسان لتنفيذها بقدر ما تخضع لظروف الإنسان ، فشدت الحر او البرد او طول ساعات النهار وقصر ساعات الليل او العكس كل هذه الأمور ليس لها علاقة بتنفيذ العبادة لان بيئة الأرض ليست واحدة بل مُتغيرة والبشر مُنتشرون عليها.

فكما ان أرزاق الناس مُتفاوتة فبالتالي الإنفاق المطلوب منهم متفاوت كلاً بحسب رزقه ، فكذلك المطلوب من الناس تجاه تلك العبادات متفاوت كلاً بحسب ظروفه والله يعلم ظروف كل إنسان وقدراته ، لهذا فمحاسبة الناس يوم الحساب ستكون وفق ما اعطاهم الله من قُدره وليس وفق ما أمرهم به.

تاسعاً :
البحث والجدل حول انضباط التقويم القمري او انحرافه والخطوة المطلوبة لإضافة أيام معدودة كل سنة او كل عدد معين من السنين حتى ينضبط ويتوافق مسمى فصل الربيع مع الربيع على الواقع ، وفصل الشتاء مع الشتاء على الواقع ، ومسمى كل فصل مع الواقع أمر محمود وجيد ، وهذا من تطور معارف الإنسان ومن التطوير المطلوب لمفهوم التقويم القمري.

هذه الخطوة على أهميتها يجب ان لا نُعززها بالدين لان الدين لا يخضع لمنتجات البشر المعرفية ، ناهيك أني لم أجد وذلك بحسب بحثي البسيط أي علاقة بين هذه الخطوة والدين وعلى هذا الأساس بنيت رايي.

عاشراً :
رايي وبالله التوفيق ..
صوموا يرحمكم الله متى ما شهِدّتم الشهر أينما كنتم وفي أي بيئة كنتم وبحسب ظروفكم الشخصية وليس البيئية ، فمفهوم ( النسيء ) ليس له علاقة بشهر رمضان وصومه ، او بمواقع الشهور التي لم يجعل الله لها مواقع ثابته في كتابه تُربط بها.

أحترامي ،،

خالد الدليمي   @aldelaimi_1

٢٠١٩/٤/٢٥م

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المسطرة الجزء السادس - آل وأهل كيف وردت في القران الكريم

المسطرة الجزء السادس آل وأهل كيف وردت في القران الكريم إهداء .. إلى تلك الظروف التي مرت بي او مررتُ بها ... إلى تلك اللحظات الحزينة ... إلى تلك الاماني التي لم تتحقق ... إلى تلك المحاولات الكثيرة الفاشلة ... إلى تلك الافكار التي جعلتني ابدو غريباً وسط بيئتي ... إلى تلك الساعات والايام التي شعرتُ فيها بالوحدة والغُربة ... إلى تلك التقلبات الفكرية والشتات الذهني والمذهبي ... اقول .. شكراً لكم فقد كُنتم العون والمعين لي في إرشادي وتحفيزي ليكون كتاب الله هو الفيصل لأفكاري.                                                                  خالد بن حمد الدليمي             ...

اذبحوا بقرة .. و مُفطِرات الصوم

اذبحوا بقرة .. و مُفطِرات الصوم كلنا نعلم قصة بني اسرائيل مع البقرة ، ونعلم ان القصة كانت ستنتهي من المشهد الاول لو انهم فعلوا ما يؤمرون به بدون مجادلة ، فالمجادلة مع الله لا تُضيق عليه الامر بل على المُجادل. يقول الله أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ۗ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ۖ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ۚ  وَكُلُوا وَاشْرَبُوا  حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ   الْخَيْطُ   الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ    الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ۚ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ما يهمني في طرح الله تعالى لمُفطِرات الصيام هو موضوع الاكل والشرب فقط ، فهذا خطاب واضح وبيّن ان الامر مرتبط بكل المواد...

المسطرة الجزء الاول

الجزء الاول المسطرة توطئة : المسطرة بحث مكون من تسعة اجزاء ، تصدر بشكل متتالي ، اهدف من ورائها عرض فهمي للعلاقة مع الله كيف ينبغي ان تكون ، وهذا اجتهادي ونتيجة لبحثي وقراءاتي ، وهي غير ملزمة لأحد كما اني لا ادعي انها تحمل صفة الحقيقة المطلقة ، بل هو عمل يعتريه ما يعتري أي عمل اخر يقوم به الانسان.          لن اتردد ابداً ان اتراجع عن رأيي اذا تبين لي الحق في غيره فالحقيقة هي الدافع الرئيسي لبحثي ، كما اني اؤمن ان الحقيقة ليست ارث يتوارثه الاجيال جيلاً من بعد جيل. المسطرة عبارة عن خليط من افكاري وأفكار غيري ، لم اشاء ان انسبها اليهم لكي لا احملهم ما لم يقصدوه ، لأني قدمت افكارهم بطريقـتي . يسألُني البعض من تُخاطب في بحثك هذا ؟. قُلت الشباب ... الشباب لديهم الكثير من الاسئلة الحائرة التي تبحث عن إجابات تُقنعهم ، إجابات تتناسب مع حجم المعرفة المُتاح لهم ، والقُدرات البحثية التي لديهم. أيُها الشباب ابحثوا عن دينكم المسروق ، ولن تجدوه الا في كتاب الله (المسطرة) الذي يقودكم بخط مستقيم وواضح وسهل اليه. (المسطرة) اختر...