أبو ذر رُمانة الميزان
مُقدمة
لا اعتقد ان الامر يخفى على ذي عقل بأن البيئة والظروف ومساحة الحُرية المتاحة في أي تجمع بشري وتحت أي مظلة سواء كانت قانونية او دينية او اجتماعية قبلية بانها لا تؤثر في توجهات وأفكار واراء وانحياز الافراد ، مهما كان هذا الفرد مُتجرداً مستقلاً فهو في النهاية بشر وليس ملاك ، ويتأثر بكل ما يُحيط به سلباً وايجاباً.
اليوم توفي النبي.
فماذا حدث في هذا اليوم ؟؟
حدث انقسام بين قومه !!
بل حتى قبل ان يُدفن حدث الانقسام والاختلاف وزُرعت بذرة الفتنة في تلك الساعة !!
هذه هي البيئة التي أشار اليها وحذر منها القران في قوله تعالى :
وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ
هذه الآية ووفق سياقها تُخاطب من كان مع النبي محمد من اتباعه واصحابه !!
فهل هذا التصرف وهذا الانقسام بعد موت النبي امر شاذ عن طبيعة البشر ، ام هي جِبلة وطبيعة بشرية ، واقصد بذلك الاختلاف والانقسام والانحياز والتعدد والاقتتال والتدافع ؟؟
قد يُدندن البعض ويقول أنت تُشكك في تربية النبي لأصحابه !!
النبي كنبي لم تكن مهمته المُرسل بها من عند الله تربية الاتباع !!
وهدفي في هذه المقال هو ان ابين واظهر ما كتبه التاريخ حول ماذا جرى بعد موت النبي ، وواقع ما جرى مُر وقد وقع ما حذر منه القران واكدته ايضاً بعض الاحاديث المنسوبة للنبي :
أَلَا وإنه يُجاءُ برجالٍ من أُمَّتِي فيُؤْخَذُ بهم ذاتَ الشمالِ ، فأقولُ يا ربِّ أصحابي ! فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدَك ، فأقولُ كما قال العبدُ الصالحُ : كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ فيُقالُ : إن هؤلاءِ لم يزالوا مُرْتَدِّينَ على أعقابِهم منذ فارَقْتَهم
تصحيح الحديث او تضعيفه او محاولة تفسيره تفسيرات تُبعدنا عن واقع ما حدث بعد وفاة النبي لا يُجدي ، لان الواقع والاحداث وطبيعة البشر تُعزز لصحة مفهوم هذا الحديث.
مقتل عمر
ومقتل عثمان
ومقتل علي
ومعركة الجمل وكيف ان الصحابة الذين كانوا في جيش ام المؤمنين لم يستعن احد منهم عليها بقوله تعالى :
وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ
بل كيف غفلت ام المؤمنين عن هذه الآية !!
بل الأدهى والامر كيف نسيت ام المؤمنين قول النبي :
لَيْتَ شِعْرِي أَيَّتُكُنَّ صَاحِبَةُ الْجَمَلِ الأَدِببِ تَخْرُجُ فَيَنْبَحُهَا كِلابُ حَوْأَبٍ ، فَيُقْتَلُ عَنْ يَمِينِهَا وَعَنْ يَسَارِهَا قَتْلًا كَثِيرًا ثُمَّ تَنْجُو بَعْدَ مَا كَادَتْ
أنها سطوة الانقسام والانحياز والفتنة التي يغيب معها العقل والحقيقة ، حتى في بيئة الصحابة والتابعين !!
ثم جاء عصر معاوية وما احدثه من فتنة ونزاعات !!
وفرض ابنه يزيد بالقوة كخليفه وامير للمؤمنين من بعده !!
ومقتل الحُسين ابن بنت النبي على يد جيش الخليفة أمير المؤمنين يزيد !!
واستباحة المدينة المنورة على يد جيش الخليفة أمير المؤمنين ايضاً يزيد ابن معاوية !!
هُناك الكثير من الاحداث والانقسامات والتفرق والتجييش والقتل والغدر والتخوين واستباحة الدم والعرض والمال واللعن على المنابر وكل أنواع الظلم ، كُل ذلك حدث في وجود الصحابة والتابعين وتحت بصرهم بل قد شاركوا في بعض تلك الاحداث !!
هذا مختصر احداث المئة سنة الأولى بعد وفاة النبي !!
المئة الثانية اعظم واشد شناعة وبشاعة وفيها خرجت ونضجت ثمار الفرق والمذاهب الدينية التي تتناحر ويُكفر ويقتُل بعضُها بعض تقرُباً لله وتحت راية الدين !!
ولا زلنا الى اليوم نكتوي بنار تلك الخلافات والانقسامات التي جرت بين كبار الصحابة والتابعين !!
أنا هنا لستُ في صدد التحقق من تلك الروايات والقصص التاريخية او احاول ان اشرحها واشرح أسبابها ، أنا هنا أوضح مفهوم تأثير البيئة على الاحداث وابطالها من الصحابة وغيرهم ، وكيف يُمكن للبيئة ان تُبرز أفكار وتسيطر على أخرى وتُخفي بالقوة ما لا ينسجم مع توجهاتها من أفكار وروايات حتى لو نُسبت للنبي ، ولعل أوضح عبارة توضح مُرادي هي قول القائل (التاريخ يكتبه المنتصر) ولعلي اضيف عليها ( التاريخ والجغرافيا والدين والأعراف والأفكار يكتُبها ويُحددها ويُأطرُها وينشُرها ويتحكم بها القوي والمنتصر).
ارجوك لا تجادلني في تفسير او في معاني هذه الاحاديث او تلك الروايات والقصص التاريخية ، انا اشرح البيئة والظروف والمظاهر التي كانت متاحة للأفراد في تلك الحُقبة من الزمن.
التدوين
وسط تلك الاحداث وفي تلك الحُقبة من الزمن تم تأسيس منهج ومرجع وكُتب اخرى لتُضاهي القران في مرجعيته الدينية المُقررة من قبل الله ورسوله !!
الصحابي ابو ذر الغفاري
يُنسب للنبي انهُ قال عنه ( أبا ذرٍّ يمشي وحدَه ويموتُ وحدَه ويُبعَثُ وحدَه) !!
أبو ذر وفي بيئة الصحابة وبين اظهرهم كان لهُ موقف مُعارض لما يحدث في بيئته ، وبغض النظر عن موقفه هل كان على صواب ام خطأ فأنا لستُ في صدد مناقشة هذا الامر ، ما يهمني الموقف الرسمي مع المخالف للمسار والرواية الرسمية.
تم نفيه الى خارج المدينة ، الى منطقة معزولة !!
ولم يعترض احد من الصحابة !!
او ربما كان هناك من اعترض ولم يُلتفت إليه !!
او لم يستطع احد من الصحابة ان يعترض بسبب الخوف ربماً !!
فهل كان هناك ما يُخيف الصحابة ؟؟
دعونا نستمع لأبو هُريرة وهو صحابي يُنتظر منه ان يكون شجاعاً مُضحياً من اجل نشر الحق كيف عبّر عن طبيعة البيئة التي كان يعيش فيها وكيف تتعامل تلك البيئة مع الروايات والأفكار التي تُخالف مسارها السُلطوي حتى وان كانت روايات واحاديث نبوية :
حَفِظْتُ مِن رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وِعَاءَيْنِ: فأمَّا أحَدُهُما فَبَثَثْتُهُ، وأَمَّا الآخَرُ فلوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هذا البُلْعُومُ.
بلعوم أبو هريرة
او صوت أبو هريرة
او بتعبير ادق حياة أبو هريرة مهدده ان تكلم بما يعرفه وحفظه من النبي !!
للعلم
أنا انقل لكم طبيعة البيئة التي عاش فيها أبو هريرة وأبو ذر والصحابة والتابعين دون تدخل مني.
اذا جمعنا موقف أبو ذر المتهور والجريء والمخالف للمزاج العام ، مع وزنه كصحابي ، مع وجود كبار الصحابة ، سنجد ان ذلك لم يشفع له ولم يمنع ذلك من نفيه وطرده خارج المدينة ليكون عبرة لغيره !!
أقول اذا جمعنا ذلك مع موقف أبو هريرة ستكون الصورة اكثر وضوحاً حول تأثير البيئة والسلطة على الأفكار والقصص والروايات والخوف من عواقب نشر الحقيقة حتى في بيئة يكثر فيها الصحابة والتابعين !!
تغريده
في اللاوعي الجمعي فمصطلح الصحابة يُضفي قداسة ومثالية على مجتمع واقع الحال فيه يُخالف بل يتناقض مع تلك الصورة الطوباوية لهذا المصطلح !!
الخلاصة
البيئة والظروف التي جُمعت وصُنفت فيها كتب السيرة والحديث لم تكن بيئة حُرة او بيئة تسمح بنشر الحقيقة كما هي ، بل كانت بيئة وسُلطة مُسيطرة تسمح بما تريد وتمنع ما لا تريد ، والمجتمع في الاعم الاغلب مُنصاع اما خوفاً من قول الحقيقة كابي هُريرة ، او منفياً لانه قال الحقيقة كابي ذر ، او جهلاً بماهية الحقيقة !!
الان
ضع كل ما ورد أعلاه في اعتبارك ثم تأمل في حال من أراد ان يجمع الحديث والسيرة النبوية بعد مئة سنة او اكثر كيف سيتسنى لهُ ان يجد الحقيقة ناهيك عن حُريته في كتابتها كما هي ان وجدها اصلاً !!
وللعلم انا هنا لا أرد او أقبل كُتب الحديث او السيرة بقدر ما اريد ان أبين ان الحقيقة ليست ما يقوله الراوي او المحدث او الكاتب ، لأننا في هذا الحالة نعزل الناقل والمنقول عن تأثير بيئته والمخاطر التي تُحيط به وهذا مُحال في عُرف العُقلاء.
تغريده
سأقول صباح الليل لمن ينبري لي من الاخوة الافاضل ويقول من نقل لنا القران هم نفسهم من نقل لنا الاحاديث !!
خالد الدليمي ،،
النقد والتعليق على حسابي في تويتر / aldelaimi_1@
الجمعة ٢.٢٢/٧/٢٩م