د/ محمد شحرور
بين زاويتين
مُقدمة
كثر الكلام والنقاش حول الدكتور محمد شحرور رحمة الله عليه وما طرحهُ من فكر ديني احدث الكثير من الإشكالات بين الباحثين في الدين وفي فكره وطرحه.
وأنا هُنا لن اناقش فكر او منهج الدكتور ولكن سأحلل المشهد والحراك والعراك الذي حدث مع الشحرور وفكر الشحرور.
وإن جاز لي ان أقول فسأقول بأن المشهد لهُ زاويتين رئيسيتين وكل زاوية لها تصور مختلف وتعتمد على ماذا يُريد الباحث او الناظر في ما احدثه الدكتور الشحرور من حراك:
الزاوية الأولى
الباحث الذي ينظر الى أفكار الدكتور ويبحث فيها على اعتبار انهُ سيجد أفكار كاملة وصحيحة ولا لبس او خطأ فيها !!
وهذا النوع من الباحثين او الناظرين يبحث ليتصيد الأخطاء !!
فبمجرد ان يجد خطأ إلا ويبادر بتعميم الحُكم على شخص وفكر الشحرور بأنه جاهل ، ليس لديه خلفية دينية ، لا يعلم ما يقول ، مهرطق ، ملحد ... الخ !!
ولسان حال هذا الباحث او الناقد يقول هُناك من رجال الدين المعصومين من يُغنينا عن الشحرور وفكره المليء بالأخطاء ، أقول لسان حاله يقول ذلك ولكن عملياً هو يعلم ان الكل لديه أخطاء والكل لديه شطحات فكريه والكل غير معصوم.
ولكن وبشكل عملي ايضاً هو يقبل الخطأ ويبحث له عن مبرر عندما يأتي من رجالات فريقه او مدرسته الدينية ، وبالمقابل لا يغفر أي خطأ قد يرد من أي جهة تخالف منهج مدرسته او تتمرد عليها سواء كان الشحرور او غير الشحرور !!
من سبق الشحرور
الشحرور إما انهُ احيا فكر قديم كما قال البعض ونسبوا ما طرحه الشحرور الى بعض المتقدمين ، او انهُ آتى بشيء جديد ، وهذه ليست إشكاليه جوهرية تستحق الوقوف عندها مطولاً اوالتحقق منها مقابل المحتوى الأكثر أهمية وهو سبب الجدل والخلاف.
الأفكار التي قدّمها شحرور مُتمردة على مناهج جميع المذاهب الإسلامية المتقاربة او المتعادية ، لانه وبكل بساطة حيّد الموقف من كل المراجع الدينية الاجتهادية الظنية التي تعتمد عليها جميع المدارس وتتقاتل بسببها وجعل المرجعية للقران فقط.
وبعيداً عن الصواب او الخطأ في تلك الأفكار التي قدمها شحرور فأنا هنا لست في صدد مناقشتها ، ولكن من الجميل ان نُقر ان هذه الأفكار فتحت الباب على مصراعيه امام جيل جديد من الباحثين.
هذا الجيل لديه مواقف ليست إيجابية مع رجالات المدرسة الدينية التي ينتسب إليها هذا الجيل ، مواقف من طريقة وآلية التفكير والتحليل التي تعتمد عليها المدرسة ، ومواقف من تهميش المدرسة للمنطق والعقل.
وما بين الجيلين جيل جديد وجيل حُراس المدرسة ، او ما بين المنهجين المنهج الجديد الذي يعتمد على العقل والمنطق والفلسفة والتمرد والفردانية وبين منهج المدرسة حدث الجدل والاختلاف والتباين والعراك ، وهو اختلاف صحي وطبيعي لو بقيّ في دائرة الاختلاف العلمي والاحترام المتبادل ولم يتعداه الى التخوين والتكفير والدعوات بالويل والثبور من قبل حُراس المدرسة واتباعهم لكل من تبنى أي منهج غير منهج المدرسة !!
وهنا تكمن المشكلة
حُراس المدرسة حُراس المنهج القديم لم ولن يقبلوا بالتمرد والخروج عن طاعتهم وكامل التبعية لهم !!
وبالمقابل الوعي والثقافة الدينية للأتباع لم تعُد كما كانت او لم تعُد من ذلك النوع الذي يُحجم ويمتنع فيه التابع عن السؤال والنقاش مخافة ان يُقال له ويلك كيف تسأل وتناقش وتنتقد الشيخ في الدين ألا تخشى الله !!
نجم الشحرور
الشحرور ظهر في وقت الصراع الفكري يعتمد فيه على العقل والمنطق والحُجة والرغبة الملحة في الاقتناع ناهيك عن كثرة البدائل الفكرية المطروحة ، وليس على اليقين المتوارث او الترهيب والتخويف من التمرد والخروج عن صراط المدرسة وبالتالي الكفر بالله !!
فهل أفكار الشحرور صحيحة ؟؟
في البيئات الدينية الغير حُرة لا تسأل مثل هذا السؤال !!
قول الله تعالى ( لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ) تحول الى قول نظري لا ينعكس على الواقع ، البيئة الدينية لسان حالها يقول لا صوت يعلوا على صوت المدرسة وحُراس المدرسة هم أهل الحق والحقيقة.
عندها بالضرورة سيكون كُل صوت يخالف منهج وفكر المدرسة صوت نشاز
ومحكوم عليه سلفاً انهُ .. مُنحرف ووجب التحذير منه !!
لهذا المؤيد للشحرور او لبعض افكاره في حال كان هناك مؤيد سيصعب عليه التعبير عن رأيه بحرية واريحية ، بل قد يتعرض للتنمر او اقسى من ذلك لو تجراء ورفع صوته !!
ولنا فيما حدث لبعض رجال الدين عبرة
فقد هجم رجال مدرستهم واتباعها عليهم عندما تجراء بعضهم وقدم رأيه واجتهاده المخالف لرأي المدرسة التي ينتمي إليها حول الغناء والموسيقى !!
الزاوية الثانية
هي الزاوية التي ينظُر منها الباحث من بعيد دون الدخول في التفاصيل
وهي الزاوية التي ترصد الحراك بشكله العام وتحاول ان تدرس أسباب هذا الحراك ونتائجه واتجاهاته الحاضرة والمستقبلية على الوعي الديني الفردي او الجمعي.
إنقلاب الشحرور
في الزمن الحديث وفي دائرة الفكر الديني لم يستطع احد ان يُحدث حراك مُلفت للنظر كما فعل الدكتور محمد شحرور رحمة الله عليه ، قلب الموازين وأعاد البصر والبصيرة للأتباع في غفلة من رجالات المدارس الدينية المشغولة في تكفير بعضها البعض وفي تحديد من سيدخل الجنة ومن سيدخل النار ، وانشغالهم في الفتاوي وتناقضاتها وتناقُضاتهم فيها ، والتي يُصرون ومن خلال منهجهم الديني الذي يبثونه في وعي الأتباع الى تكريس مفهوم ان التابع ليس له الخيار في التفكير او الاعتراض او النقد او الرفض ، وفاتهم وسط انشغالاتهم ومعاركهم ان يُدركوا متغيرات الزمان والمكان والأدوات وارتفاع الوعي الذي يمر به التابع !!
القُران والعقل
الصوت الان هو صوت التابع وليس المتبوع وربما هذه النتيجة هي النتيجة الأبرز فيما احدثهُ الدكتور الشحرور من حراك عندما أعاد للعقل مكانته وللقران قيمته.
وانا هنا لا اقصد التابع الذي خرج من تبعية المدرسة الى تبعية الشحرور في طرحه
بل اقصد التابع الذي تسلح بما دعا اليه الشحرور في طرحه من حرية استخدام العقل والتفكر والتدبر للفرد المسلم الباحث عن دينه دون التبعية لاحد او لمدرسة وهذه هي ابرز ثمار ما قدمه الدكتور الشحرور.
وهذا هو الذي أصاب المدارس الدينية في مقتل
الأتباع اصبحوا يفكرون ويبحثون ويُناقشون ويتعقلون ويريدون المنطق والفهم قبل التسليم والإتباع الاعمى.
الزمن وعبر ادواته الحديثة التي تزيد وتُحسن وترفع من مستوى الوعي بشكله العام والوعي الديني بشكل خاص كفيل بأن يُقلص من مساحة المدارس الدينية لصالح الاستقلال الفكري والديني للافراد.
الفقه
المسائل الفقهية الاجتهادية المرتبطة بالمجتمع والمتعلقة بالحقوق والشعائر الدينية وغيرها من مسائل عامة كلها في طريقها للتقنين وإخراجها من حيز المدرسة الدينية الى حيز القانون المدني ، وقبول المجتمع المُتدين لهذا التغيُر سيكون مُتدرج ومنبع هذا القبول هو الفكر الديني المستقل لافراده.
ربما وأكرر ربما ما احدثه الشحرور هو التسريع في عملية التحول التي كانت حتماً ستحدث في كل المجتمعات الإسلامية ، التحول من المدرسة الدينية ومرجعيتها الفقهية الاجتهادية الى القوانين المدنية المتغيرة المتطورة.
الباحث من الزاوية الثانية
بالنسبة للباحث من الزاوية الثانية سيجد ان مستوى الوعي الديني الفردي المستقل المعتمد على النص القُراني هو ابرز نتائج وثمار ما احدثه الدكتور محمد الشحرور رحمة الله عليه من حراك.
ملاحظة
- أنا لا احصر المشهد في زاويتين فقط ، ولكن لتبسيط المقال جعلتُها زاويتين.
- تقنين الفقه قادم.
- تقنين الحُرية الدينية قادمة (بفعل الزمن او بفعل فاعل).
تغريدة
كُل مُفكر يسبق زمانه ينعته الناس بالجنون.
خالد الدليمي
٢٠٢٢/٨/٤م