الجزء الاول
من هم الذين "آمنوا"
توطِئة ..
الحمد لله رب العالمين الذي تكفل سبحانه بحفظ الذكر كي يبقى حي نقي بين ايدي المؤمنين به ، ثم الحمد لله مرة أخرى لأنه شرع للمكلفين النظر والتدبر في كتابه العظيم (المصحف) والذي يُمثل جزء من ذكر الله المحفوظ الذي نزل من عند الله للناس ، ثم الحمد لله دائماً وابداً لانهُ سُبحانه لم يجعل الحساب يوم الحساب على مستوى الفرقة او الجماعة او المذهب او ربط الحساب باتباع منهج الآباء والاسلاف ، بل جعل الحساب فردي بحيث يُصبح المُكلف مستقلاً مسؤولاً عن نفسه وفهمه وسعيه أمام الله سُبحانه وتعالى وأمره بإتباع ما أُنزل إليه من ربه كمكلف.
أما بعد..
فإن النظر والتدبر في كتاب الله من السهل الممتنع
فالأمر يسير لمن اكتفى ببعض ظاهره
ويحتاج الأمر المزيد من الجُهد لمن توسع في تتبع آياته
ويُصبح الامر مُبهجاً ساراً لمن تعلق به وعّود العقل والنظر للغوص في معانيه وغاياته العميقة ، ولكل مستوى من مستويات واعماق كتاب الله ناسه وباحثيه ، وبقدر الجُهد المبذول وصفاء القصد والنية يكون التوفيق والهداية من الله لتحصيل وفهم أقصى غايات الله من هذا الكتاب.
ما أنا إلا فرد باحث مجتهد ..
وما أصل إليه من فهم أمر غير ملزم بتاتاً لأي أحد ..
بالتالي وكجزء من التكامل بيننا كأفراد فنقد وتقويم او حتى رفض ما اكتب أمر محمود إن كان ذلك يدور في فلك البحث عن الفهم الاصوب ، وليس من باب التنمر او المعاداة دفاعاً عن الرأي الاخر ، ناهيك بالطبع عن من يتنمر ليدافع عن الرأي الموروث والسائد لمجرد انه موروث وسائد ..!!
المقدمة..
البحث عبارة عن مجموعة أجزاء وكل جزء يحمل مفهوم مستقل
لهذا ارتئيت ان انشر مسودة كل جزء انتهي منه تباعاً وبشكل منفصل
لذا قد تبدوا الأجزاء غير مترابطة وكونها في مجموعها مسودة ايضاً فهذا يعني ان التعديل والتغيير محتمل ووارد وذلك حتى يتم الانتهاء من جميع الأجزاء
ثم بعد ذلك اشرع في تبييضها ومن ثم ربط نتائج الأجزاء بعضها ببعض في الجزء الأخير وتقديم فهمي لصلب موضوع البحث.
انا مضطر في هذا الجزء وفي كل الأجزاء القادمة ان اذكر وأُكرر ربما الكثير من الآيات والكثير من الشرح ، بل ربما ايضاً اضطر لشرح الواضحات وأُسهب في الشرح وذلك حتى اقلل نسبة الفهم الخاطئ لما اسعى لطرحه إن استطعت.
اسم البحث ..
وقعت في حيرة حول اختيار اسم لهذا البحث
ووجدت نفسي كلما فكرت وتأملت ظهرت هذه الآية أمامي ولا اعلم لماذا ..!!
وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آَلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ
لذا سيبقى اسم البحث مُعلق الى ان انتهي من الجزء الأخير
وسيحمل كل جزء اسم لموضوعه.
اسأل الله التوفيق والتيسير
وأن يُبعد عني أهل الدين والمنطق العاطفي
ويبعد عني من يُضمرون نية التنمُر والعداوة لكل من خالف فهمهم وسائدهم
وأن يُقرب مني من ينقدون نقداً موضوعياً
والحمد لله من قبل ومن بعد ،،
موضوع الجزء الاول
من هم الذين "آمنو"
📌القسم الاول ..
عندما يقول القران "يا أيها الذين "آمنوا" فهل هو يقصد "يا أيها المؤمنين" ؟
بمعنى اخر هل كُل السياقات التي ترد في القران وفيها عبارة "يا أيها الذين آمنوا" تعني يا أيها المؤمنين؟.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا
كبداية ومن خلال النظر في هذه الآية استطيع ان اقول بان تكرار كلمة "آمنوا" مرتين إشارة الى وجود فرق بينهما في المعنى المقصود ، لان الكلمات في المصحف لا تتكرر خلف بعضها إلا لهدف ، لذا "آمنوا" الأولى بالضرورة تحمل معنى مختلف عن "آمنوا" الثانية ، خصوصاً ان "آمنوا" الثانية توضح ما هو المطلوب وهو آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزّل على رسوله والكتاب الذي أُنزل من قبل.
فلماذا يُخاطبهم ويصفهم بالذين "آمنوا" إن لم يكونوا مؤمنين بالله ورسوله وكتبه !!.
لم يكن المجتمع الذي بُعث وعاش فيه الرسول كرسول وكنبي مجتمع يحمل نفس الأفكار والمعتقدات ، فقد كان هُناك من يختلف فكرياً وايمانياً مع ما جاء به الرسول ومع ذلك تجده مُتقبل بشكل او بأخر العيش بسلام وأمان في نفس المجتمع دون ان يكون هناك إكراه او ضغط عليه لتبني نفس الأفكار والأيمان بالذي جاء بها الرسول.
نلمس ذلك في كثير من الآيات التي سنمر عليها في ثنايا هذا الجزء ، ولعل ابرز آية تُدلل على ذلك هي الآية محل البحث وما يليها من آيات.
وهذا التعايش يتطلب ان يكون هُناك حالة من السلام بين افراد المجتمع المختلف ايمانياً وفكرياً ، وهذا التعايش لخصه الله بكلمة "آمنوا" وهي مُشتقة من الآمن والأمان الظاهر واللازم ان يكون بين افراد المجتمع.
هُنا نفهم من الآية أعلاه ان كلمة "آمنوا" الأولى موجهة لأفراد المجتمع الذي لم يؤمنوا بالله ورسوله ولكنهم آمنين "آمنوا" في مجتمع يقود النبي الزعامة والقوة الصاعدة فيه ، اما كلمة "آمنوا" الثانية (من الإيمان ) بدلالة انها تدعوهم الى الإيمان بالله ورسوله وكتبه.
مزيد من الآيات ..
مزيد من الآيات التي توضح لنا ان عبارة "يا أيها الذين آمنوا" عندما تأتي في القران فأنها قد تحمل مفهوم الآمن والأمان بين افراد المجتمع الواحد ، او قد تحمل دعوة ونداء للمؤمنين ، وذلك بحسب السياقات التي ترد فيها هذه الكلمة :
مثال اخر /١
سورة التوبة
السياق يبدأ من الآية ٣٨
نجد ان الخطاب موجه للذين "آمنوا" وهم هنا خليط من المؤمنين وغيرهم من الذين عاشوا بينهم واظهروا لهم انهم معهم ، والمفردات التي استخدمتها الآية توضح نوع ومستوى الإستجابة والانسجام بين افراد المخاطبين من الذين "آمنوا".
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ
ثم ينتقل السياق الى الآية محل الشاهد رقم ٦٠
وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
إذا ربطنا بداية السياق بهذه الآية وعلمنا ان السياق يُخاطب الذين "آمنوا"، سنفهم ان الآية لا تُخاطب المؤمنين فقط ، لان المؤمن لا يؤذي النبي ولا يقول عنه بانه "أذن" !!
ويتضح الامر اكثر مع نهاية الآية التي توضح انهُ رحمة للذين "آمنوا" (منكم) بمعنى انهم ليسوا كلهم مؤمنين وانه كنبي ليس رحمة لجميع من خاطبهم السياق.
مثال ٢/
سورة التوبة
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (123) وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (125)
الآية تُخاطب الذين "آمنوا" ثم نجد ان السياق قسم الذين "آمنوا" الى قسمين ، القسم الأول الذين "آمنوا" وهم يستبشرون لانهم مؤمنين وزاد إيمانهم بنزول السورة ، القسم الثاني الذين "آمنوا" وفي قلوبهم مرض ورجس وهم كافرون ، بمعني ليسوا بمؤمنين ولكنهم من الذين "آمنوا".
مثال /٣
سورة الاحزاب
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (9) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (11) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (12) وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (13) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآَتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا
مرة أخرى الآيات تُخاطب الذين "آمنوا" ثم تُقسّم المخاطبين الى قسمين الذين "آمنوا" وهم مؤمنين حقا ، والذين "آمنوا" وهم منافقون وفي قلوبهم مرض وشك ويريدون الفرار.
مثال /٤
سورة محمد
فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (19) وَيَقُولُ الَّذِينَ آَمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (20) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ (21) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (23)
الخطاب في هذه الآيات موجه للذين "آمنوا" بعد ذلك توضح الآيات الفرق بينهم ، وان هُناك فريق الذين صدقوا ، وفريق اخر من الذين كذبوا وان الله لعن واعمى ابصار الكاذبين.
مثال /٥
سورة النور
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (62)
لاحظ كيف تفرق الآية بين الذين "آمنوا" وتبين ان المؤمنين هم الذين آمنوا بالله ورسوله ، بمعنى اخر هناك من الذين "آمنوا" لم يؤمنوا بالله ورسوله ، لذلك تجد في بعض الآيات ان الله يدعوا الذين "آمنوا" الى الايمان بالله ورسوله كما ورد في المثال رقم ١.
مثال /٦
سورة محمد
وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآَمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (2)
لاحظ الآية لا تكتفي بكلمة "آمنوا" فقط ، وهذا دليل على ان كلمة "آمنوا" لا تعني المؤمنين عندما تأتي بشكل منفرد ، بل لابد من توضيح "آمنوا" بماذا ، وهنا توضح الآية انهم الذين عملوا الصالحات وعمل الصالحات وارد ان يأتي من غير الذين "آمنوا" بما نُزل على محمد ، لذا تابعت الآية التوضيح وذكرت انهم ايضاً "آمنوا" بما نُزل على محمد (مؤمنين).
مثال /٧
سورة الحديد
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (28) لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)
الآية تخاطب الذين "آمنوا" ومع ذلك تطلب منهم ان يتقوا الله وان يؤمنوا برسوله ، فبماذا "آمنوا" حتى تخاطبهم الآية بالذين "آمنوا" ..!!
المثال /٨
سورة المجادلة
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11)
لاحظ كلمة "آمنوا" ذُكرت في هذه الآية مرتين وفي المرة الثانية قالت (منكم) وكأن الأولى تجمع عدد كبير وتُخاطب "المجتمع" والثانية تُخصص عدد اقل وتُخاطب "المؤمنين" ، فليس كل صفات مجموعة الذين "آمنوا" الثانية تنطبق على مجموعة الذين "آمنوا" الأولى.
📌القسم الثاني ..
من خلال هذه الآيات كأمثلة فقط يمكن أن نفهم من السياق أنهُ من الممكن أن تكون كلمة "آمنوا" المقصود بها "المؤمنين" في هذه الأمثلة وذلك للمصداقية التي يحملها المخاطبون بهذه الآيات.
مثال / ١
سورة البقرة
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24) وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25)
مثال / ٢
سورة البقرة
وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82)
مثال /٣
سورة البقرة
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153)
مثال /٤
سورة البقرة
إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (277)
مثال /٥
سورة الزخرف
يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (68) الَّذِينَ آَمَنُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (69) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (70)
خُلاصة الجزء الأول ..
الجميع متفق ان كتاب الله دقيق في مفرداته والفاظه وتعابيره
بالتالي دراسة هذه المفردات والالفاظ والتعابير تتطلب دقة عالية في التعاطي معها
وأنا هنا لا ازعُم ان ما اقدمه دقيق وسليم بقدر ما هو محاولة للفهم
فهم ازعُم ان الآيات تُعبر عنه او عن معنى يدور حوله.
لذا فالنبي كقائد لمجتمعه ..
وكتاب الله كرسالة لمنهج يُخاطب ذلك المجتمع كعينة لكل المجتمعات او التجمعات البشرية الطبيعية التي تتكون في معظمها من خليط من الأفكار والمعتقدات والانتماءات ، صاغ هذا الكتاب مفهوم رباني عبر "مُفردة" تُعبر عن معنى وغاية يجب ان يسعى إليها أي مجتمع سوي ، فمفردة "آمنوا" تُعبر عن الرغبة لتحقيق السلم والتعايش بين افراد المجتمع الواحد ، وفي نفس الوقت تصف تلك الحالة التي يسعى النبي جاهداً الى تحقيقها والوصول إليها في مجتمعه المحدود نسبياً بزمانه ومكانه.
ولعل مُفردة "آمنوا" هي النواة التي تأسس وانطلق منها مفهوم المواطنة بين افراد المجتمع الواحد ، وربما كذلك تكون هي النواة التي تقوم عليها قيمة الدولة الوليدة التي تجمع ذلك المجتمع تحت مظلة وقانون جديد يضبط العلاقة بين افراده رغم اختلاف انتماءاتهم وذلك عبر مفهوم الآمن للجميع.
نهاية الجزء الاول
الجزء الثاني "يثرب".
خالد الدليمي
الجمعة ٢٠٢٤/٣/١م