الجزء الثاني
اسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون
توطئة :
المسطرة بحث
مكون من تسعة اجزاء ، تصدر بشكل متتالي ، اهدف من ورائها عرض فهمي للعلاقة مع الله
كيف ينبغي ان تكون ، وهذا اجتهادي ونتيجة لبحثي وقراءاتي ، وهي غير ملزمة لأحد كما
اني لا ادعي انها تحمل صفة الحقيقة المطلقة ، بل هو عمل يعتريه ما يعتري أي عمل
اخر يقوم به الانسان.
لن اتردد ابداً ان
اتراجع عن رأيي اذا تبين لي الحق في غيره فالحقيقة هي الدافع الرئيسي لبحثي ، كما
اني اؤمن ان الحقيقة ليست ارث يتوارثه الاجيال جيلاً من بعد جيل.
المسطرة عبارة
عن خليط من افكاري وأفكار غيري ، لم اشاء ان انسبها اليهم لكي لا احملهم ما لم
يقصدوه ، لأني قدمت افكارهم بطريقـتي .
يسألُني البعض من تُخاطب في بحثك هذا ؟.
قُلت الشباب ...
الشباب لديهم الكثير من الاسئلة الحائرة التي تبحث عن إجابات تُقنعهم ،
إجابات تتناسب مع حجم المعرفة المُتاح لهم ، والقُدرات البحثية التي لديهم.
أيُها الشباب ابحثوا عن دينكم المسروق ، ولن تجدوه الا في كتاب الله
(المسطرة) الذي يقودكم بخط مستقيم وواضح وسهل اليه.
(المسطرة) اخترت هذا الاسم لكي ابين للشباب
ان الطريق الى الله يمر عبر كتابه المستقيم الذي لا عوج فيه.
اسألوا أهل الذكر إن كنتم لا
تعلمون :
(وَمَا أَرْسَلْنَا
مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْۚ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ
إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)
(وَمَا أَرْسَلْنَا
قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْۖ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ
إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)
هاتين الآيتين هما محل البحث في الجزء الثاني ،
والتي يستخدمها البعض مبتورة من سياقها ليستدل بها على مراده حينما يقول ... اسألوا
اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون !!.
لذا لابد من تحرير بعض الامور المهمة في محاولة
لفهم هاتين الآيتين وفق سياقهما الكامل لمعرفة هل يستقيم الامر لمن اراد ان يستدل
ويتكئ على هاتين الآيتين ويخلي نفسه من مسئولية البحث عن الحق ورمي المسئولية على رجال
الدين ، بحجة انهم اعلم وانهم اهل الذكر المعنيين بـ الآيتين محل البحث ؟.
معنى الذكر :
وردت كلمةُ (الذكر) في التنزيل الحكيم 32 مرة
تقريباً ، وبالنظر الى عموم الآيات التي ورد فيها مصطلح (الذكر) نجد انها تعني
المادة التي اوحاها الله لكل نبي ورد ذكره في القران ، وجاءت ايضاً تُشير الى
(الذكر) الذي استُثني بالحفظ من بين كُل الذِكر الذي نَزل من السماء وهو الذِكر
الذي نَزل على محمد عليه السلام في قوله تعالى (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ).
من هم أهل الذكر وفق القران
الحكيم :
عندما نتحدث ونُخاطب الاخرين لا يمكن ان نطلق
كلمة (أهل) دون ربطها بصفة تُقيدها لكي نُفهم السامع ما نُريد ، فمثلاً نقول أهلُ
الكتاب ، أهلُ مكة ، اهلي (مرتبطة بي) اهلك (مرتبطة بك) ، بالتالي كُل من انطبقت
عليه هذه الصفة المرتبطة بكلمة (أهل) يدخل في دائرة خطابنا ، ما لم نُميز اكثر
بصفة اُخرى تُخصص فئة المعنيين بكلمة أهل ، فمثلاً نقول أهل مكة من كبار السن من
الرجال ... الخ.
لذا وعندما يقول الله تعالى أهلُ الذِكر فهذِه
الصفة تنطبق على جميع من ارتبط (بالذكر) وهم وفق الآيتين محلُ البحث اتباع الكُتب
السماوية ، وكل ملة من الملل الثلاث المعروفة يعتبر اتباعُها من (اهل الذكر) ،
بالتالي نستطيع ان نقول ان أهلُ الذكر للملة اليهودية هم اتباع الكُتب السماوية
التي نزلت على موسى عليه السلام ، وأهلُ الذكر للملة النصرانية هم اتباع الكُتب
التي نزلت على عيسى عليه السلام ، وأهل الذكر للملة الاسلامية (المحمدية) هم اتباع
الكتاب الذي نزل على محمد عليه السلام.
كما يمكن ان تُحمل كلمة أهلُ الذِكر الى ان
المقصود بهم الانبياء اذا نظرنا الى الامر بشكل عام ، فالأنبياء والرُسل عليهم
السلام هم من نزل عليهم الذكر وبالتالي هم أهلُه ، ولكن ليسوا هم المعنيين
بالآيتين محل البحث.
من المخاطب بهاتين الآيتين
في القران الحكيم ؟.
الآيتين تُلخص لنا حوار بين النبي محمد عليه السلام
وبين المشركين والكُفار ، الذين يستنكرون ان يبعث اللهُ لهم رجُلً منهم ، وكان محل
استغرابِهم او استنكارِهم هو لماذا لم يبعث الله ملائكة ، لماذا بعث بشر مثلهُم (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَىٰ
إِلَّا أَن قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَّسُولًا)، فكان الخطاب والتوجيه من الله تعالى على لسان نبيهِ للمشركين
والكفار ان يسألوا أهل الذكر وهم هنا أهلُ الكتاب من يهود او نصارى الذين سبق ان
بُعث فيهم انبياء ورُسل ، إسألوهم اليس الانبياء والرسل السابقين كانوا رجال من
البشر؟.
وموضوع الآيتين محل البحث ومن خلال (اسألوا أهل
الذكر) لا يمكن ان ينصرف الى المسلمين اتباع الذكر الذي نزل على محمد عليه السلام
، لان الكفار لم يقبلوا ادعاء محمد انهُ نبي يوحى اليه من الله فكيف يقبلون بسؤال
و شهادة اتباعه !!.
اذاً المخاطب
بهاتين الآيتين هم المشركين والكفار ويُطلب منهم سؤال أهل الكتاب من اليهود
والنصارى حول استنكارهم ان يبعث اللهُ بشراً رسولا ؟.
موضوع السؤال في قوله اسألوا
أهل الذكر ؟.
الآيتين محل البحث حصرت السؤال في موضوع
واحد ولم تترك الامر مفتوح ، لماذا ؟.
لان الذكر الذي نزل على محمد عليه السلام
(الغاء) كل ما سبقه من ذكر ، وبالتالي لا يُمكن ان يُحال احد من (الناس) الى أهل
الكتاب من اليهود او النصارى ليسألهم عن امر من امور الدين الاسلامي.
عليه فالسؤال في هاتين الآيتين قد حُصر في موضوع
واحد ، وهو هل الانبياء والرُسل السابقين كانوا بشر ام ملائكة ؟.
علماً ان الإجابة لن تُأثر في مصداقية الرسول محمد
عليه السلام بقدر ما تُبين للمشركين والكفار خطأ تصورهم حول ماهية رُسل الله
سبحانه وتعالى.
هل أهلُ الذِكر هم رجال
الدين ؟.
الآيتين محل البحث لم تُخصص فئة بعينها من مجموع
اتباع (أهل الذكر) ، بمعنى انها لم تخصص رجال الدين من أهل الذكر من اليهود
والنصارى ليتم طرح السؤال عليهم ، لان لفض أهل الذكر هنا عام وغير مقيد.
فأن قيل ان رجال الدين اعلم وبالتالي هم
المعنيين ، نقول ان ذلك يعتمد على نوع السؤال ، فبعض الاسئلة تحتاج الى متخصص
وبعضها قد يجيبك عنها أي إنسان بسيط ، فمثلاً لو طرحنا هذا السؤال على ابسط مسلم
من اتباع الرسالة المحمدية ، هل كان الرسول محمد عليه السلام من البشر ام من الملائكة
؟.
اعتقد ان الاجابة ستكون معروفة لديه ولا تحتاج
الى رجل دين لكي يُجيب على هذا السؤال ، لان ذلك من المعلوم بالضرورة.
لذا الآيتين محل البحث لم تخصص فئة بعينها
من مجموع (أهل الذكر) ، لماذا ؟.
لان موضوع السؤال معروف لمعظم اتباع أهل الذكر
من يهود و نصارى ، اقول واكرر معظم الاتباع يعلمون بالضرورة اجابة ذلك السؤال وهو
بشرية الرُسل الذين أُرسِلوا اليهم.
هل الخطاب في الآية خاص ام
عام ؟.
الآيتين قيدت موضوع السؤال ، وقيدت أهل السؤال ،
ولا يمكن اطلاق ما قيدتهُ الآيتين على مواضيع اخرى ، او أهل ذكر اخرين الا بدليل.
لذا فهاتين الآيتين ليست حُجة لمن اراد ان يحتج
بها على ضرورة سؤال رجال الدين المسلمين اتباع الرسالة المحمدية ان كان لا يعلم .
اما اذا
نظرنا على ان هاتين الآيتين طرحت موضوع اهمية البحث عن الحق من خلال طرح السؤال
لمن نظن انهُ يملك الاجابة ، فهذه ايضاً تحتاج منا تحري الدقة وضبط هذا المفهوم
قبل ان نعتمده كمعنى من معناي هاتين الآيتين.
جدلاً سنعتبر رجال الدين هم
المعنيين وان الآيتين عامة :
من باب مناقشة كُل الاحتمالات ، سوف نقبل
جدلاً ان الآيتين محل البحث يُمكن ان يستدل بها من قال بضرورة الرجوع لرجال الدين
في امور الدين وذلك للمسلمين من اتباع الشريعة المحمدية ، وهنا نحتاج الى طرح بعض
الاسئلة المهمة :
- من هم رجال الدين هؤلاء ؟.
- ما هي صفتهم ؟.
- ما قوميتُهم ؟.
- ما مذهبهُم ؟.
- هل هم من الاحياء فقط ، ام الاموات ايضاً ، ام الاموات فقط ؟.
- ماذا لو تعارضت اقوالهم ؟.
- ماذا لو تعارضت مذاهبهم ؟.
- كيف استدل على الصادق منهم ؟.
- هل كثرة الاتباع دليل المصداقية ؟.
- هل الباب مفتوح للناس لاختيار رجل الدين من أي مذهب كان ؟.
- ماذا لو اخترت رجل دين او مذهب يُخالف الذي اختاره اخي ؟.
- هل فتوى وراي رجل الدين ملزمة للتابع ، ام انهُ مخير ؟.
- اذا لم يكن التابع ملزم بفتوى رجل الدين ، ما قيمة السؤال ؟.
- هل لا بد ان الالتزام برجل دين في كل مسائلي ، ام يمكن ان اتنقل بين رجال الدين والمذاهب ؟.
- ما هو الحد المعرفي في الدين الفاصل بين رجل الدين وبين التابع ، ومن قرر هذا الحد ؟.
- هل شهادة خمسة او مئة او الف من الناس لفلان انهُ (رجل دين) تكفي ان يُصنف انهُ رجل دين؟.
- ما هي الانجازات او الصفات المطلوب عملها لكي يكون التابع المقلد من رجال الدين؟.
- كم كتاب يجب علي ان احفظ لكي اكون رجل دين ، وانا املك بين يدي ذاكرة المعارف الانسانية تحت ضغطت زر ؟.
- انت ايُها الشاب تملك بين يديك الان من العلوم والمعارف اكثر من اعظم رجل دين مسلم من السابقين ، الفرق هو انك لا زلت تابع ؟ (هل هذه العبارة صحيحة).
قد يستغرب البعض من هذه الاسئلة ، ولكن
يزول العجب اذا علمنا ان النجاة يوم الحساب تتطلب منا البحث وعدم الاتكال على احد
، لأننا مكلفين امام الله من خلال هذا (الدين) للوصول الى الحق.
وتزيد اهمية إجابة هذه الاسئلة حسب اهمية الحق في
قلب كُل مسلم ، فكلما ارتفعت قيمة الحق لديك كمسلم ارتفعت لديك اهمية البحث
والتحري لمعرفة الحق وفق ما يُريده الله سبحانه.
الله من خلال كتابه لم يترك الامر لرجال الدين
وآرائهم واجتهاداتهم وعصبياتهم لكي يعبثوا بدينه ، لان هذا بالضبط ما حدث مع الامم
السابقة (وَمَا تَفَرَّقُوا
إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ
ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ
بَيْنَهُمْ ۚ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ
مِّنْهُ مُرِيبٍ) الشورى 14.
والواقع اكبر دليل ملموس على
ان رجال الدين تفرقوا وفرقوا الناس بسبب آرائهم التي قطّعت الجسد الواحد الى احزاب
ومذاهب وفِرق وكلاً بما لديهم فرحون ، فدينُ الله الذي يجمع اصبح يُفرق ويتقاتلون
ويتناحرون باسمه.
كيف يكون البحث عن الحق :
هناك طريقين ، طريق الله
لعباده الذي سنهُ للوصول اليه ، وهناك طريق رجال الدين.
اولاً : طريق رجال الدين المزعوم للوصول بالاتباع الى الحق :
بشكل نظري تجد رجال دين كُل مذهب وكُل مدرسة داخل المذهب الواحد يقولون ان
الله يُريد من الانسان ان يبحث عن الحق في أي مكان وان يأخذ به ان ثبت لهُ انهُ حق
وان لا يكون مقلداً او تابعاً لاحد ، ويجب عليه ان يتحرى الحق في معتقداته وان
يجتهد في البحث لكي يُحقق مراد الله منه في البحث للوصول للحق.
وهذا بدون شك كلام جميل ، الا انهم يُتبعون قولهم ذلك بعبارة (ولكن) ليس
كُل انسان يستطيع ذلك فـ (عوام الناس) لا بد لهم من سؤال رجال الدين الربانيين
الصادقين المخلصين لكي يأخذوا بأيديهم الى الحق ، ورجال ديننا (مذهبنا) هم مثال للرجال
الربانيين الصادقين المخلصين ولا نجاة بالابتعاد عن رايهم او الخروج عن اقوالهم او
معارضتهم !!.
وعلى افتراض انك تهورت ايُها التابع المقلد وبحثت عن الحق في معتقداتك
الدينية ، ثم كان لك راي حول بعض اقوال (رجال دين مذهبك) او رفض لبعضها او تأييد
لأقوال (رجال دين المذهب الاخر) ، جاءك الرد منهم او من اتباعهم المسخرين لهم ،
ومن تكون انت حتى تقدم رايك على رايهم وهم من هم في العلم والدراية ؟.
فان قلت انا ابحث عن
الحق وقد وجدته في قول من خارج المذهب ، شنعوا عليك بالخروج عن الدين ، او فسقوك
!!.
وان عدت بهم الى قولهم انهُ يجب على الانسان ان يبحث ويتحرى كما
تقولون ، قالوا لك نعم ابحث وتحرى ولكن داخل المذهب والمدرسة فقط !!.
مثال عملي :
لو ان (زيد) من الناس
عاش في بيئة تتبع المذهب السُني ، و(سعيد) في بيئة تتبع المذهب الشيعي ، وكل واحد
من هؤلاء ذهب الى شيخه ليسأله ويتعلم منه امور دينه.
سؤال / من منهم على حق ومن منهم على باطل ؟.
لو سئلنا كل واحد منهم لقال (انا) على حق و (مذهبي) هو الحق وغيري على
باطل وهذا ما يقوله اشياخي ورجال ديني ، ثم ستجد كل واحد منهم ينتقد الاخر ويقول
...
اليس لك عقل تفكر وتتدبر به ما هذه التبعية العمياء لرجال دينك ومذهبك
المنحرف !!.
واذا قُلت له وانت يا
(زيد ، سعيد) هل وصلت الى ما انت عليه من دين ومذهب نتيجة بحث وتدقيق ، ام هو
دين ومذهب مقر ولادتك ؟؟.
قليل من الناس من يبحث عن دينه بشكل جاد ويتحرى الحق ليأخُذ به ، ومتى ما
بحث الانسان بجد وصدق عن دينه ستجد ان اول امر ينفصل عنه من امور بيئته الدينية هم
اشياخه ورجال دينه ، والانفصال لا يعني بالضرورة المخالفة بقدر ما يعني الاستقلال
ورفض التبعية ثم تجد انهُ ينسب نفسهُ الى الاسلام وليس الى المذهب.
رجال الدين المسلمين بشتى
مذاهبهم وفرقهم دخلت آرائهم في الدين كما حدث مع اليهود والنصارى ، وبسببهم او
بسبب اتباعهم طغت العصبية لآرائهم على الحق ، ومع تقادم الزمن اصبح رايهم هو الدين
ومن يخالفهم متهم في دينه ان لم يكن كافر او زنديق في نظرهم !!.
رجال الدين المسلمين لم يكونوا
مستقلين احرار في آرائهم طوال هذه السنين الا من رحم ربي وقليلاً ما هم ، فإما مُنقاد للسلطة السياسية يُسخر الدين
لخدمتها ، واخر مُستقل حُر ولكن تجدُه مُطارد من قبل السُلطة السياسية او سُلطة
العقل الجمعي حتى يُبعد ويُنفى او يُعزل عن الناس ويُعزل فكرُه او يُقتل ، وما بين
وبين تجد الكثير من رجال الدين الجهلة الذين يُقلدون ويُكررون انتاج اسلافهم
بتبعية بغيضة دون وعي او قدرة على الاستقلال في الراي ، وهؤلاء ان لم تقودُهم
سُلطة السياسة قادتهم سُلطة العقل الجمعي للاتباع بحيث تمنعهم من الخروج عن عباءة
الاسلاف.
لذا البيئة التي عاش فيها رجال الدين على مر الزمن بيئة لم تسمح لهم
بالنقد الحُر وإعادة قراءة ما بين ايديهم مرة اخرى ، بالتالي لن نجد إنتاج فكري
حُر في مجتمعات المسلمين فيه ابداع يوازي حجم هذا الدين وحجم المعرفة الكامنة في
كتابه العظيم.
الان مع كل الفوضى التي حدثت في الدين
، وكل الآراء المتضاربة لرجال الدين بين المذاهب او داخل المذهب الواحد ، من منهم
تنطبق عليه الآيتين محل البحث ، لكي نتبعه ؟؟.
ثانياً : طريق الله لعباده الذي سنه للوصول اليه :
الله سبحانه وتعالى رتب لنا طريق الوصول اليه بشكل واضح وجلي
في كتابه العظيم ، ولكن شهوات الانسان وفساده من خلال (السلطة و رجال الدين
والعصبية) جعلت الوصول الى الله امر لا يمكن ان يتحقق الا بشق الانفُس مع وجود
التباغُض بين اتباع المذاهب ، لماذا ؟؟.
لتحقيق مكاسب دنيوية
او مذهبية بغيضة لم يُنزل الله بها من سلطان !!.
ولو بحثنا سنجد ان معظم
ما يُفرق المسلمين من خلافات عبارة عن اراء واجتهادات مذهبية مقيته مصدرها رجال
الدين ، وليس حول حقيقة الدين او غاياته !!.
فما هو طريق الله للوصول اليه :
- توحيدُ الله.
- ان تعمل صالحاً.
- الإيمان باليوم الاخر.
بهذه الاركان الثلاثة تكون قد حققت مراد
الله منك (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ
وَالنَّصَارَىٰ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ
صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ
عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ )
تأمل معي هذه الآيات :
- إِنَّ الَّذِينَ
آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَانِهِمْ ۖ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ
الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ
- الَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَىٰ
لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ
- إِنَّ الَّذِينَ
آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا
- وَمَن يَأْتِهِ
مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَٰئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَىٰ.
هذه بعض الآيات التي تتحدث عن مراد الله منك للوصول اليه كخطوة اولى في التقرب
الى الله ، فهل تريد ان تتقرب الى الله اكثر واكثر ، حسناً :
هذه بعض الآيات التي تتحدث عن مراد الله منك للوصول اليه كخطوة اولى في التقرب
الى الله ، فهل تريد ان تتقرب الى الله اكثر واكثر ، حسناً :
1- اقم الصلاة.
2- تصدق.
3- اد ما عليك من
الفرائض.
4- اذكر الله كثيراً.
5- اعمر الارض ، تعلم ،
تدبر ، تفكر ... الخ.
6- كن مسلماً مسالماً.
ابواب التقرب الى الله
كثيرة ويمكن التعرف عليها من خلال تدبر كتابه وليس الكُتب الاخرى الملوثة براي
ونفس العصبية المذهبية.
- لَّيْسَ الْبِرَّ أَن
تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ
آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِوَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ
وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ
وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى
الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي
الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ
وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ
تأمل في طريق الله الذي سنه لك للوصول اليه ، لا يوجد فيه ضرورة إتباع رجل
دين او مذهب ، بل هو طريق واضح وسهل بعيد عن كل تعقيدات المذاهب ورجال الدين
وآرائهم وتعصباتهم.
الدين الاسلامي ليس بحاجة
الى رجل دين يُغرق الناس في تفاصيل فقهيه مبنيه على آرائه واجتهاداته وخيالاته
التي ما انزل الله بها من سلطان ويختلف بها مع غيره من رجال الدين ليضيع التابع من
بينهم ، بقدر ما هو بحاجة الى (مُفكر) يقود الناس الى الغايات الكُبرى في العلاقة
بين العباد وربهم وجعل الاختلاف امر محمود وليس مدعاة للتباغض والتناحر.
الاختيار لك ، اختر احد الطريقين للوصول الى الحق ؟؟.
قد يقول لك من يُريد ان يُصعب عليك الاختيار وطريق البحث عن الحق ، اجتهد
في البحث عن رجل الدين الرباني الصادق فهذا افضل واسهل ؟؟.
قُل له لو ان الله اراد مني اتباع رجل
دين لبين لي صفته و لفعلت ، ولكنه ما جعل ذلك مراده وما جعل بينه وبين عباده رجال
دين للوصول اليه.
لنفترض انك اخترت ان تكون تابع :
عزيزي التابع لا بد ان تجيب على هذا
السؤال لكي تنجو بنفسك :
لماذا اخترت رجل الدين هذا بالذات او هذا المذهب بالذات دون غيره ؟؟.
إجابة هذا السؤال تحرى فيها الصواب لأنها هي المحك الحقيقي يوم الحساب
عند رب العباد.
- هل لأنك وُلِدتَ في
هذه البيئة ؟.
- هل لأنك وجدت اهلك
يفعلون ذلك ففعلت ؟.
- هل لأنك تعلمت ذلك في
المدرسة ، المسجد ؟.
- هل فعلاً انت من
اختار ما انت عليه من معتقدات ، ام فرضته البيئة التي تعيش فيها عليك؟.
- هل لأنك تابع ،
بالتالي لم تفكر من قبل؟.
- ماذا لو ان من
تُقلدهم من رجال الدين على باطل ، او كيف ايقنت انهم على حق ؟.
- هل حدث ان وقفت وقفة
صادقة لمحاولة تدبر معتقداتك دون تأثير من راي الاخرين حولك ؟.
اِعلم ان كُنت ( شيعي ، سني ... الخ) ان إجابتك هي نفس إجابة الاخرين
، فمن منكم على حق ؟؟.
معظم الناس ستكون إجاباتُهم على هذه التساؤلات إجابات سطحية غير عميقة ،
بعمق المعتقد الذي يعتقدونه ، لذا لن تجد الا القليل مِن مَن تُـشعِل فيه مثل هذه
التساؤلات الرغبة في البحث والتحقق من المعتقدات التي يؤمن بها.
البعض الاخر من الناس يعتقد
ان الامر بسيط ولا يحتاج الى كل هذه الجلبة ، بالمقابل ليس لديه مانع ان يُقاتِل الاخر
المختلف معه في المعتقد للدفاع عن معتقداته التي يقول ان امرها بسيط !!.
هل انت أيها التابع مكلف بشكل منفرد :
وجود رجال الدين والشيوخ في حياة الانسان بشكل عام امر لا بأس به ، ولكن
ليس كما حدث ويحدث الان ، فقد اصبحت تبعية الاتباع عمياء الى درجة ازاحت التكليف
عن الفرد في التثبُت من معتقداته ، ونقلتها الى رجال الدين.
حتى انك تجد رجل الدين يتدخل في حياة الفرد وفي كُل جُزئية من جُزئيات
حياته فلا يستطيع الفرد ان يتصرف بشكل مستقل وفق منظومة من الضوابط الاسلامية
العامة ، لأنهُ يخشى ان يُخالف كلام الشيخ ورجل الدين الذي هو بطبيعة الحال وكما نفخ
في روعه أنهُ كلام واوامر الله !!.
فهل تعصي الله ايُها التابع ام تسمع وتطيع لكلام رجل الدين ؟؟.
لسان حالهم يقول ان عصيتني فأنت تعصي الله بالضرورة (الموقعين عن
الله) !!.
ماذا أُريد :
الانسان الفرد سوف يأتي الى
الله فرد ، وسوف يُحاسب فرد ، وسوف يدخُل الجنة فرد ، او يدخُل النار فرد ، الفرد
يوم القيامة الذي هو انا و انت سيُحاسب على مُعتقداته ودينه ، وتُطرح عليه الاسئلة
وعليه ان يُجيب ، وهُناك لا يوجد شيخ او رجل دين يُلقنك الحُجة ، وان قُلت هذا ما
قالهُ شيخي هذا ما قالهُ مذهبي هذا ما تربيت ونشأة عليه فحُجتك مرفوضة.
الحُجة فقط لمن اشغل عقله وفِكره
وتدبر في حاله ومئاله وبحث بتجرد عن الحق واخذ به دون النظر بمن قال به هل هو من
مذهبه او من غير مذهبه ، الحُجة فقط لمن سأل وتفكر فيما يُقال له قبل ان يقبله ،
الحُجة فقط لمن بحث في سائدة وعاداته الدينية وموروثة وتساءل هل هو على الحق ام هو
موروث واقوال سلف نعمل بها دون وعي او ادراك.
قد يسأل سائل وهل يُعقل ان يطلُب الله من كل
انسان ان يبحث في كل هذه الكُتب والاقوال والبحوث لكي يعرف الحق ، هذا صعب على بعض
رجال الدين فكيف الناس وفيهم العامي والغير متعلم ؟.
نعم هم صعبوا الامر على الاتباع بكل هذه الكُتب
والمصنفات التي حشوها بآرائهم واجتهاداتهم وخلافاتهم التي ليس عليك بأس ان لم
تعرفها ولن يسئلك الله عنها ان صدقت نيتُك وسعيُك في تحقيق مراد الله منك بالبحث
عن الحق بتجرد وصدق.
يقول الله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) ، لا احد يعلم قدر استطاعتك انت كفرد مثلُك
انت.
سيتم محاسبتك يوم الحساب على قُدراتك التي مُنحت لك من قبل الله ، وقُدرتك
على فهم وتحصيل المعارف الاساسية من خلال التدبر في كتابه العظيم والسؤال والبحث
وتحري الحق ، ولن تستطيع ان تكابر او تدعي امام الله انك كُنت ضعيف وغير قادر على
تحري الحق والاخذ به ، لان الله هو من منحك تلك القُدرة ، فكما انهُ سيُحاسبك على
ما افترضهُ عليك من فرائض سيُحاسبك على ما اعطاك من قُدرات مالية و صحية وكذلك
عقلية ولا عُذر لك حينها.
وعلم يا اخي ..
ان الذي يستطيع ان يتدبر شؤنه المالية في هذه الحياة فهو قادر.
وان الذي يستطيع ان يتدبر شؤون حياته اليومية فهو قادر.
الذي يستطيع ان يميز بين الخطأ والصواب في معاملاته الدنيوية فهو
قادر.
الذي يستطيع ان يتعلم فهو قادر.
لا عُذر لك ان نجحت في تدبير شؤون حياتك ان لا تنجح في تحري شؤون دينك
ومعرفة الحق من الباطل.
وعلم ..
انهُ ليس مطلوب منك امام الله تحصيل جميع المعارف والعلوم بل ما
استطعت لكي تنجو يوم الحساب من تباعات الجهل او التبعية العمياء للمذهب ولرجال
الدين وقد حصنك وزودك الله بالقدرة على التمييز.
يجب ان تتحمل مسئولية نفسك :
حتى نصل الى اليقين اننا على الحق يجب ان
تـنطبق سُنة الله تعالى على جميع خلقه وهي سُنة (التكليف) يجب ان تُمارس هذه
السُنة وبشكل فردي وليس بشكل جماعي تحت حكم المذهب بحيث تقول وتعتقد ما يقوله
المذهب وتظن ان التكليف قد سقط عنك ، كلا والف كلا.
لا يُنجيك ولا يُسقط عنك التكليف
والمسئولية امام الله انك سألت رجل دين ، ما دام ان الله منحك القدرة على تحري
الحق.
لماذا الناس يرفضون مثل هذا الطرح ؟.
لان قبوله يعني تحمل المسئولية وهم لا
يُريدون ذلك ، ومن جهة اخرى رجال الدين يرفضون مثل هذا الطرح لأنهم يقومون بدور
الاوصياء على الناس وهذا الطرح يُعطي الناس الاستقلال والتمرد وبالتالي المعارضة
والنقد ، لذا ترى
الكثير من الناس يتبعون المدرسة والمذهب الذي يُكرس في اذهان اتباعه الاتكال في
الفهم والمعرفة على رجال الدين وكأن الله اسقط عنهم التكليف !!.
اين المخرج
؟؟.
من خلال إفهام
الناس انك ايها الانسان المسؤول الاول والاخير عن نفسك يوم القيامة وستحاسب وحدك
ولا حجة لك ان تحتج بالمذهب او برجل الدين فلان او غيره . فبقدر ما اعطاك الله
العقل والقدرة بقدر ما تكون المسئولية عليك اكبر ، وبقدر ما منع الله عنك العقل
والقدرة على التفكر والتفكير بقدر ما يخفف عنك التكليف الى ان يسقط عنك ولا يسقط
عنك الا في حال الجنون
.
نتيجة الجزء الثاني :
- اهلُ الذكر الذين ورد ذكرهم في الآيتين محل
البحث هم جميع اتباع الكُتب السماوية ولا تخصيص اكثر من ذلك ، عليه لا يجوز لنا
تخصيصها بفئة معينة ، اما اذا خصصنا معناها كمسلمين على ان المقصود بها رجال الدين
فهذا يجعل الامر مفتوح للاتباع على جميع رجال الدين ومذاهب ومدارس المسلمين
للاختيار، والحُجة لمن حصرها في مذهبه صالحه للجميع.
- كُل اتباع مذهب يرون صحة مذهبهُم ومصداقية رجال
دينهم.
- سؤال رجل
الدين لا يُسقط التكليف عن السائل.
- إما ان تقبل أيُها التابع احتمالية ان كُل رجال
الدين على صواب او ان تقبل احتمالية انك قد تتبع رجال الدين الخطأ.
- إما ان تقبل أيُها التابع احتمالية ان كُل
المذاهب صحيحة او ان تقبل احتمالية انك قد تتبع المذهب الخطأ.
- ستُحاسب على
مُعتقداتك وحدك ، وتنجو وحدك او تهلك وحدك ، ولن ينفعُك إلا بحثُك.
- ليس العالِم
من حفظ كُتب اسلافه ورددها.
موضوع الجزء الثالث :
-
الخطاب العاطفي لإظهار الحق ليس اسلوباً ربانياً ، بل هو اسلوب من
اساليب رجال الدين لحث الاتباع على الاخذ بما يقولون عندما عجز منطقهم عن اثبات ما
يريدون.
...................................................................
كتبه / خالد بن حمد الدليمي 29/2/2017م
، واسعد بنقدكم البناء .
تويتر : @aldelaimi_1
احترامي ،،،