التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المسطرة الجزء الاول


الجزء الاول
المسطرة

توطئة :
المسطرة بحث مكون من تسعة اجزاء ، تصدر بشكل متتالي ، اهدف من ورائها عرض فهمي للعلاقة مع الله كيف ينبغي ان تكون ، وهذا اجتهادي ونتيجة لبحثي وقراءاتي ، وهي غير ملزمة لأحد كما اني لا ادعي انها تحمل صفة الحقيقة المطلقة ، بل هو عمل يعتريه ما يعتري أي عمل اخر يقوم به الانسان.
         لن اتردد ابداً ان اتراجع عن رأيي اذا تبين لي الحق في غيره فالحقيقة هي الدافع الرئيسي لبحثي ، كما اني اؤمن ان الحقيقة ليست ارث يتوارثه الاجيال جيلاً من بعد جيل.
المسطرة عبارة عن خليط من افكاري وأفكار غيري ، لم اشاء ان انسبها اليهم لكي لا احملهم ما لم يقصدوه ، لأني قدمت افكارهم بطريقـتي .

يسألُني البعض من تُخاطب في بحثك هذا ؟.
قُلت الشباب ...
الشباب لديهم الكثير من الاسئلة الحائرة التي تبحث عن إجابات تُقنعهم ، إجابات تتناسب مع حجم المعرفة المُتاح لهم ، والقُدرات البحثية التي لديهم.
أيُها الشباب ابحثوا عن دينكم المسروق ، ولن تجدوه الا في كتاب الله (المسطرة) الذي يقودكم بخط مستقيم وواضح وسهل اليه.
(المسطرة) اخترت هذا الاسم لكي ابين للشباب ان الطريق الى الله يمر عبر كتابه المستقيم الذي لا عوج فيه.


مقدمة :
الحمد لله الذي مكن بالعقل للإنسان في هذه الارض وجعلهُ خليفةً له ، يحكُم فيها ويتعلم ويبني ويتقدم ، والحمدُ لله الذي جعل الاسلام دينه الذي ارتضاه لعباده ، والحمدُ لله الذي حفظ هذا الدين بحفظه لكتابه مرجعاً صادقاً لكل من اراد الحق للحق ، ثم السلام على رسوله المصطفى.
دينُ الله الذي خُتم بمحمد عليه السلام لا يتغير او يتراكم عبر الزمن ، وهناك فرق بين الدين كدين ثابت لا يزيد او ينقُص في التكاليف او المحرمات ، وبين المعرفة العامة التي يمكن ان تتركم عبر الزمن من خلال الانسان نفسه وهذه ليس لها علاقة بالدين من حيث إضافتها لمزيد من التكاليف او المحرمات.
تجارب الامم السابقة مع دينها اثبتت ان الانسان ليس بمعصوم عن الميل والانحراف ، لذا لم يعتمد عليه الحق سبحانه في حفظ او نقل دينه لبقية خلقة بعد الرسالة الخاتمة ، ونحن كمسلمين لسنا بدع بين الامم فنحنُ بشر يجري علينا ما يجري عليهم من نواميس هذا الكون ، والواقع يُصدق ذلك (لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه).
  
المعرفة الانسانية :
المعرفة الانسانية تكونت من تراكم العلوم عبر الزمن ، وسأعمل على تقسيم هذه المعرفة في بحثي الى قسمين ، ولو كانت هناك اقسام اخرى فهي ليست في دائرة اهتمام هذا البحث.
١.  معرفة قائمة على تراكم العلوم والتجارب المادية الحسية.
٢.  معرفة معنوية مجردة غير حسية قائمة على تراكم معارف لمعتقدات دينية وقيم اخلاقية.

ما هي نتائج تلك المعارف الانسانية :

نتج من المعرفة الاولى هذه الثورة المادية التي نعيشها الان من تطور مبهر في جميع المجالات وفي كل مكان ، ولا زال العَالم المُتقدم يُقدم لنا كُل يوم منتجات واختراعات ونقلات سريعة ناتجة من تراكم تلك العلوم والمعارف المادية.

ونتج عن تراكم المعرفة المعنوية المجردة الغير حسية الكثير من المعتقدات المرتبطة بالدين وبالقيم والفنون والتاريخ والعلوم الاجتماعية ، والتي تعتمد في معظمها على تراكم وتوارث هذه الامور والتشدد نحوها والمحافظة على نقلها من جيل الى جيل بغض النظر عن نوعية التطور الذي يحدث لبعض هذه المعارف او مدى صحتها.

 المعرفة المادية تعتمد على اشياء حسية يمكن قياسها وبناء النظريات المعرفية حولها ، ثم الانتقال الى مرحلة اعتمادها كقواعد وقوانين بعد ثبوتها من خلال التجارب ثم تطويرها والاستمرار في البناء عليها لتكوين قواعد وقوانين قوية لا يمكن نقضها الا بأدلة وبراهين علمية صارمة ، فكانت النتائج قوانين فيزيائية وكيميائية وعلوم طبية وعلمية متنوعة نعيشها الان ونستمتع بنتائجها.

المعرفة المعنوية (الدين) حيث وفي وقـتـنا الحالي يوجد عشرات الديانات بل قد تصل الى مئات منتشرة في الارض ، إلا ان الديانات التي تُشكل الاغلبية هي (الاسلام ، المسيحية ، اليهودية ، البوذية ، الهندوسية) هذه الديانات تنقسم الى قسمين ديانات سماوية واخرى ارضية وضعية.

بحثي حول تراكم المعرفة المعنوية المجردة من خلال المعتقدات (الدينية) وذلك للدين السماوي فقط.

الدين السماوي ينقسم الى قسمين:

١.  الملة اليهودية والملة المسيحية.
٢.  الشريعة المحمدية وهي المعنية بالبحث والتدبر في بنائها المعرفي لبحثي هذا.

القسم الاول :
الملة اليهودية والمسيحية تعرضت للتحريف بسبب رجال دينهم من قديم الزمان ونتج عن ذلك انحراف تام عن اصل هذه الملل السماوية ، فاصبح رجل الدين يُدخل رأيه وتعصُباته في الدين على انها دين ويُغير في الكتاب المنزل على انبيائهم بما يوافق الراي العام او الراي الجمعي لاتباعه طلباً لكسب رضاهم او لاستمالتهم الى امر اخر ، كما ان صراع القوى كان له تأثير ايضاً في التحريف والانحراف عن اصل هذه الملل.

ونتيجة لعدم حفظ الله تعالى لكتُب هذه الملل حدث الانحراف ، الذي يزداد كلما تباعد به الزمن عن الاصل ، ولعدم وجود اصل محفوظ يمكن الرجوع اليه والانضباط في الاستقامة على استقامته اصبح اتباع هذه الملل مثل المُعلقين بهوى ومزاجية ومذهبية علمائهم ، فتكونت المدارس والفرق والمذاهب الدينية من يهودية ومسيحية التي بها الكثير من الآراء والكُتب والمراجع المتضاربة احيانا ومتوافقة في احيان اخرى رغم انحرافها.

كل ذلك لعدم وجود ثوابت سماوية يمكن الاتكاء عليها وبناء القواعد المعرفية لهذه الملل وبالتالي الاحتكام إلى تلك الثوابت عند وجود اختلاف او خلاف.

سؤال : هل يمكن مع عدم وجود ثوابت سماوية محفوظة ، بناء ثوابت بشرية يمكن الاعتماد عليها لبناء معرفة دينية ؟؟.

الامر مستحيل خصوصاً اذا كانت المعرفة التي ستُبنى على هذه القواعد ستُنسب الى الله والادعاء ان ذلك منهج الله الذي ارسلهُ الى عباده من خلال رُسله.
فهل كان من الممكن في قديم الزمان ان يتقدم اكبر واعلم رجل دين (حبر او قس حسب الملة) بمنهج بحيث يُصبح هذا المنهج هو مرجع الجميع في معرفة امورهم الدينية ويبقى هذا المنهج هو المعتمد لدى جميع الاتباع الى الابد ، هل كان ذلك ممكن ؟؟.

الامر مستحيل واستحالة هذا الامر تأتي من :

اولاً   : استحالة اتفاق رجال الدين في ذلك الزمان على منهج يمكن الاعتماد عليه لبناء معرفة معنوية مجردة صالحة لكل زمان ومكان ولكل اتباع تلك الملل.
ثانياً  : استحالة ان تُصبح لرجال الدين نفس التوجهات والرغبات والميول والدوافع لبناء ذلك المنهج.
ثالثاً   : استحالة ان تكون لهم نفس الظروف والبيئة المؤثرة في توجهاتهم لتكوين او بناء ذلك المنهج.
لذا كان من الصعب عليهم الاتفاق وخصوصاً مع عدم وجود اصل ثابت وموثوق ومحفوظ يمكن الاعتماد والرجوع اليه عند الاختلاف ، ونتيجة لذلك حدث الانحراف ونصرف رجال الدين واتباع تلك الملل عن الاصل بشكل لا يمكن الرجوع اليه ناهيك عن امكانية وجوده اصلاً بشكل سليم.

القسم الثاني :
الشريعة المحمدية على صاحبها السلام على ماذا يعتمد اتباع هذه الشريعة في بنائهم المعرفي لفهم الدين ومن ثم العمل على المحافظة عليه ؟؟.

مقدمة لابد منها :

هناك معنيين عندما نقول الاسلام ، معنى سائد ويعني الشريعة المحمدية واتباع هذه الشريعة فقط ، ومعنى قُرآني ويعني كُـل من وحّد الله ، وامن باليوم الاخر من قديم الزمان الى يوم الدين ، وعمل صالحاً حسب تعريف القرآن العظيم لمفهوم الاسلام.
هذا الفرق بين المعنيين ليس محل البحث لذا سوف ابني بحثي على المعنى السائد مع تحفظي عليه.

البناء المعرفي للدين الاسلامي عند المسلمين يعتمد على مصدرين معنويين مجردين غير ماديين او حسيين :

الاول : سماوي ثابت لا خلاف في ثبوته بين المسلمين وهو في اصله مجرد غير مادي ، وقد تحدى الله به كل الخلق ان يأتوا بمثله او ان يجدوا فيه اختلاف او ريب ، مما رفع درجة الاعتقاد فيه وبه الى درجة الثبوت الحسي المادي لان الله سبحانه وتعالى هو من تكفل بحفظه والعناية به بخلاف الكُتب السماوية السابقة وهذا المصدر هو ( كتاب الله ).

الثاني : مصدر غير محفوظ من قبل الله ، معنوي مجرد غير مادي ، اعتمد هذا المصدر بشكل كُلي على البشر للمحافظة عليه وبناء قواعده المعرفية ، وهو يعتمد على قواعد لا يمكن ضبطها بمعايير يمكن قياسها والبناء عليها ، وبالتالي لا يمكن الحصول على نتائج ثابتة او موحدة عند استخدام تلك القواعد من قبل اشخاص مختلفين وفي بيئات وازمنة مختلفة ، وهذا المصدر هو ما يُنسب الى الرسول من اقوال وافعال ( الاحاديث النبوية ).


السُنة النبوية:

سؤال : كيف وصلت الينا السُنة النبوية وهذه الاحاديث ؟؟.

وصلت من خلال نقلها عبر الجيل الاول عن طريق المشافهة ثم من جيل الى جيل على شكل كُتب ومصنفات قام بتدوينها رجال الدين ، يزعمون انهم افنوا اعمارهم في تتبعها وتتبع مصادرها من خلال السند فقط.

سؤال : هل كانت مدونة في كُتب من مصدرها مباشرة أي من الرسول عليه السلام ام ماذا ؟؟.

لا ، لم تكن مدونة في تلك الفترة او فترة الجيل الاول والثاني بعد وفاة الرسول عليه السلام ، بل نُقل معظمها من خلال المشافهة .

سؤال : هل النقل كان ( نصاً ) ام بالمعنى ؟؟.

من هنا تبدأ المشكلة حيثُ من الصعب ان نقول انها نُقلت (نصاً) لاستحالة المطابقة مع الاصل حيث لا يوجد اصل لهذا الاحاديث يمكن المطابقة عليه لنقول نعم نُقلت (نصاً) ، كما انهُ من غير الممكن انها بقيت في وعي وذاكرة الجيل الاول الذي نقلها بدوره (نصاً) الى الجيل الثاني اعتماداً على الحفظ والنقل بالمشافهة ، لتبقى ايضاً في وعي وذاكرة الجيل الثاني (نصاً) ، ليتم تدوينها بعد اكثر من 100سنة تقريباً من وفاة الرسول عليه السلام كما قالها ، هذا مستحيل.

سؤال : اذا لم تُنقل الينا (نصاً) فهل النقل اخل بالمعنى ؟؟.

هذا يعتمد على ثقافة الناقل وقُدرته على نقل الخبر مع المحافظة على مُراد صاحب الخبر وليس نقل الخبر حسب فهمه ، لان مفهوم الناقل ليس بالضرورة هو مراد صاحب الخبر ، ومن هنا تبرز اهمية التريث في الاخذ بهذه المنقولات حتى يتبين صوابها من خلال مصدر اخر يُمكن الاعتماد عليه.

سؤال : على اعتبار انها نُقلت (نصاً او بالمعنى) كيف نُقلت وما هي اعتبارات ومعايير التثبُت منها ؟؟.

ما يُسمى بعلم الحديث يعتمد اعتماد كلي على السند الذي يعتمد على ما يُسمى بعلم الرجال والجرح والتعديل ، وهذا العلم لا يعتمد على قواعد حسية مادية بل على (ظواهر او اثار) لقواعد معنوية مجردة وغير حسية ( هناك معايير اخرى ليس هذا مجال ذكرها ولكنها في جملتها تعتمد على الجرح والتعديل).

والمعمول به اولاً واخيراً لقبول الحديث هو السند فأن صح ثبت الحديث وان لم يصح لم يثبُت ، ليتم الانتقال الى معايير اخرى في محاولة لإثباته من خلال تدعيمه باحاديث اخرى مشابهة وتتفاوت في درجة صحتها من حيث السند ، فان لم يتوفر ما يمكن ان يدعم الحديث يتم رفضه لأنهُ ضعيف ، هذا بشكل مختصر.


من هُنا تبدأ فكرة البحث :

سؤال : تقول (ظواهر او اثار) لقواعد معنوية مجردة ، لماذا لا يتم الاعتماد على تلك القواعد مباشرة ، لماذا يتم الاعتماد على ظواهرها او اثارها ؟؟.

ما يُسمى بعلم الرجال والجرح والتعديل هو عبارة عن علم يتم فيه تقييم الرجال رواة وناقلين تلك الاحاديث من خلال صفات ( معنوية مجردة ومن صُنع الانسان ) وضعها اصحاب كُتب الحديث مثل ( ثقة ، ثقة ثبت ، حافظ ، امين ، صدوق ، متقن ، كذاب ، مدلس ، ليس بشيء ... الخ ).

هذه الصفات المعنوية المجردة غير الحسية هي المعايير التي وضعُوها للبناء والاعتماد عليها في علم الرجال والجرح والتعديل ولكل صفة منها شروطها التي ينبغي تطبيقها لكي يُطلق على الرجل محل التقييم هذه الصفة او تلك ، ولأنها معنوية مجردة فلا يمكن قياسُها او اخضاعُها لتجارب حسية مادية ملموسة ، لذا سيكون الاعتماد على ( ظواهر واثار ) هذه الصفات.

فمن اظهر الصدق صدقناه ، ومن اظهر الامانة في سلوكه استأمناه ، ومن اظهر اثار كل صفة من هذه الصفات وفق شروطها يتم اطلاق تلك الصفة عليه ، وقد يوافق باطن ذلك الرجل ظاهره وقد يُخالفه !!
وما من سبيل يمكن معه التأكد من ان باطنه وافق ظاهره.


الصفات كصفات معنوية مجردة:

جميع الصفات الحميدة او السيئة لا يمكن اخضاعها للقياس بشكل مباشر ، انما يتم التعرف عليها من خلال ظواهرها او اثارها الناتجة عنها ، وهذه الاثار يجب ان تُحرر ويتم الاتفاق عليها ان كان ذلك ممكن ، بحيث تنطبق هذه الصفة على من بدت عليه تلك الاثار الناتجة عن هذه الصفة.
فمثلاً صفة الصدق ما هي الاثار الناتجة عن هذه الصفة ، بحيث عندما نرى تلك الاثار نقول عن هذا الانسان انه صادق ، وهكذا مع بقية القيم والصفات الاخلاقية الاخرى.

ومع ذلك أي بالرغم من تحرير تلك الاثار والاتفاق عليها من قبل أهل الحديث والجرح والتعديل تضل عملية قياس تلك الاثار وبالتالي تلك الصفات عملية ظنية نسبية غير دقيقة وغير قطعية لان الامور المعنوية المجردة لا يمكن القطع فيها ، لماذا ؟؟.
لاعتمادها في وجودها على اثارها وليس على ذاتها بشكل مباشر ، واثار تلك الصفات تعتمد عند قياسها على المشاعر والاحاسيس وهذه امور متغيره من شخص الى اخر وغير ثابته او موحدة عند الجميع ، لأنها تعتمد ايضاً على ظروف اخرى مثل البيئة و التحصيل العلمي وحرية الراي والضغوط الخارجية وغيرها من الظروف التي تقع على من سيحكم بتلك الصفة.


مثال لأطلاق صفة ( ثقة ) على انسان :

عندما يقول رجل دين عن (س) من الناس انهُ (ثقة).
سؤال : كيف عرفت انهُ ثقة ؟؟.
سيقول عرفنا ذلك من اثار تلك الصفة الظاهرة عليه وتأثيرها على سلوكه وتعاملاته مع الناس ، وايضاً ظهور جميع الاثار المرتبطة بهذه الصفة عليه مما جعله يكسب ثقة من حوله ، لذا قلنا انه (ثقة).

قد يكون (س) بالنسبة لرجل الدين هذا ثقة لأنه يُحقق مصلحة شخصية ، او يتوافق مع ميوله وآرائه ومذهبه ، ويراه رجل دين اخر عكس ذلك لأنه لا يوافق آرائه وميوله ومذهبه ، ويبقى الرجل بين من يُوثقه وبين من لا يُوثقه لعدم امكانية قياس الثقة بذاتها بشكل مستقل ومتفق عليه ، بل يعتمد الجميع في الحكم على اثار صفة الثقة الظاهرة عليه التي تعتمد في تقييمها على الاحاسيس والمشاعر والميول التي تختلف من شخص الى اخر ، وهذا ينسحب على جميع الصفات الاخرى.

لذا فكُل شيء لا يمكن قياسُه والاتفاق على معاييره بشكل مادي لا يمكن القطع به ، بل يبقى ظني وخاضع لاختلافات الناس في الحكم عليه ، فمن اراه انا ثقة ليس بالضرورة يراه غيري كذلك وان كنتُ انا وغيري نرى نفس اثار صفة (ثقة) على هذا الرجل او ذاك ، لاختلافنا في تثبيت المعايير لتلك الصفة ، واختلافنا في المشاعر لقياس معايير تلك الصفة.

سؤاللو كان لدينا اكثر من رجل دين ومن بيئات مختلفة وتحت ظروف مختلفة ، وجميعهم يرون اثار صفة ما على (س) فهل كلهم سوف يحكمون نفس الحكم ؟؟.


عجلة الرجال الدوارة:

من وثق (س) ؟ ، وثقة (ص) ، من وثق (ص) ؟ ، وثقة جمع من الرجال (ج ، ح ، خ) ، حسناً وهؤلاء الرجال هل هم ثقات ؟.
نعم فقد وثقهم (ن) ، ومن وثق (ن) ....
وتستمر العجلة في الدوران من وثق من ، والذي وثق هل هو محل للثقة ؟.



الرسول والمنافقين :

النفاق كصفة معنوية مجردة لا يمكن قياسُها ، ولكن يمكن الاستدلال عليها من اثارها كأي صفة اخرى ، ووجود المنافقين في مدينة الرسول عليه السلام امر ثابت في القران ، ولكن هل كان الرسول يعرفهم كلهم ام كان بعضهم يُتقن التمثيل فيُظهر عكس ما يُبطن من النفاق حتى خفي ذلك على الرسول ، قال تعالى (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ) ، من هذه الآية نفهم ان المدينة كان بها منافقين لم يعرفهم الرسول لان اثار صفات الصلاح والايمان هي الظاهرة عليهم بعكس ما انطوت عليه قلوبهم ، فليس كُل من بدت عليه اثار صفة من الصفات نقطع بانها تنطبق عليه او نعتقد ان الجميع متفق على منحه هذه الصفة.

وانا هنا لا اتهم احد في دينه او امانته ، بل اُناقش وانقد وسيلة التثبت من الاخبار المنقولة ، لان هذا دين نتعبد الله به فيجب علينا التثبت من هذه الاخبار بوسيلة قطعية يمكن الاعتماد عليها.

الامانة معايير الناس ومشاعرهم مختلفة حول من يستحق ان يُطلق عليه امين.
الجمال ما تراه جميل ليس بالضرورة يراه غيرك كذلك.
الصدق ، الكذب ، الخداع ، الخوف ، الشجاعة ... الخ ، كل هذه الصفات نسبية وظنية.
النتيجة ان قواعد توثيق ناقل الخبر ليس لها قيمة مقابل البحث عن مصداقية الخبر نفسه ، فإما اصل للمطابقة او واقع يُصدق الخبر حتى يُقبل الخبر ومن ثم يُوثق الناقل ، وبما ان كل الاحاديث النبوية ليس لها اصل بين ايدينا يُمكن مطابقة الروايات المنقولة عليها ، ولا ننتظر ان تقع على ارض الواقع لأنها شعائرية و تشريعية ، فلابد من وجود وسيلة اخُرى قطعية ثابتة يُمكن الاعتماد والاتكاء عليها لإثبات صحة متون هذه الاحاديث ليُعبد الله على بصيرة ، بدل الانشغال في توثيق السند والناقل من خلال قواعد علم الرجال الظنية.


ماذا ينتُج عند الاعتماد على قواعد ظنية لبناء معرفة قطعية في الدين:

يُصبح البناء قابل للانهيار امام أي مواجهة او قد يُصبح مُتهالك غير مُنسجم مع حياة الناس وغير مُنفعل مع احتياجاتهم ، وإن انفعل فهو انفعال اعوج لا يستقيم ولا يستمر ، لذا تجد من يُحرم وغيره يُحلل نفس الامر ، ثم ما يلبث ان يُصبح ما كان حرام حلال والعكس ، وتجد من يتصدر الفتوى وهو مُنعزل عن مفهوم احتياجات الناس وتغيُر هذه الاحتياجات ، وقد تعلق بصرُه بالماضي يُريد ان يقـتبس منه ما يُعينه على تصريف أمور الحاضر فيزداد في تخبُطه ويزداد في بُعده عن واقع الناس ، ابطل عمل عقله بحُجة التمسك بالنص المنقول ، ولو اعمل عقله لعقل ان النص ظني والظن لا يبني معرفة ولا يُقيم دين !!.

 انظروا الى واقعنا والعبث بدين الله ، تجدون في كل فرقة او مذهب العشرات ممن يُحللون ويُحرمون وكلاً له هواه واهوائه وحساباتِه الشخصية والمذهبية والسياسية ، حتى أصبح الدين مثل البورصة يحتاج منك المتابعة بشكل مستمر لكي تعرف ما الجديد في التحريم والتحليل !!.

كُل ذلك بسبب فهم خاطئ لمراد الله تعالى من دينه الذي ارتضاه ، واصبحوا هم بزعمهم الموقعين عن الله (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ).

هل واقعنا يقول اننا فلحنا بين الامم ؟؟.
قال تعالى :
-      وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ
-      وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا  
-      وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ





المسطرة

كُل الاحاديث النبوية المنقولة لنا تحتمل وبنسب متساوية ان تكون صحيحة او مكذوبة على الرسول ، أي اما مستقيمة ومنسجمة مع استقامة هذا الدين او منحرفة عنه لأنها معوجة وليست منه.
ولتمييز ما هو مستقيم من ما هو معوج من هذا الاحاديث نحن بحاجة الى مسطرة نمتحن عليها كل ما بين ايدينا مما يُنسب الى الرسول ، وبهذا سيتبين لنا المستقيم من المعوج منها.
وبما ان القرآن لا خلاف حول ثبوته قطعاً ، فهو يصلُح ان يكون (المسطرة) التي نمتحن بها الاحاديث النبوية ، ليس لان الرسول في اقواله او افعاله ممكن ان ينحرف عن استقامة القرآن ( اعوذ بالله من هذا القول ) بل الانحراف جاء عبر الزمن من النقل والناقلين.

السند والمتن امام المسطرة:

       مُهم جداً ان نعلم اننا لكي نمتحن هذه الاحاديث فلسنا بحاجة في اول الامر الى السند ورجال الحديث ، لماذا ؟؟.
لان الحديث اذا صح متنُه من حيث موافقته في استقامته مع المسطرة فهو صحيح ومقبول ، اما ان لم يصح متنُه لعوج فيه مقارنة باستقامة المسطرة فلن يُقيم عوج هذا الحديث قوة السند مهما بلغت تلك القوة.
اما السند فيمكن الرجوع اليه فقط كمرحلة ثانية للفصل بين الاقوال المنسوبة للنبي واقوال غيره عندما تكون كلها متوافقة مع المسطرة.


ما موقفنا من هذا الكم الهائل من الاحاديث :

اليهود والنصارى ليس لديهم في دينهم ما يسمى السند او ما يسمى بعلم الرجال والجرح والتعديل ، ولا اقول انهم فطِنوا انهُ لا يمكن البناء على مثل هذا العلوم الظنية لضبط الدين ، ولكن بالمقابل لديهم انجازات علمية وقوانين مادية توصلوا اليها من خلال الكثير من البحث والتجارب التراكمية ، وكان اعتمادهم في قبول واعتماد هذه القوانين والقواعد هو مدى صحتها  وليس هل من قالها ( ثقة ، او ثقة ثبت).

اما نحن المسلمون فانه يتوفر لنا ما لا يتوفر لغيرنا من فرصة لضبط وتنقية ارثنا وموروثنا المعرفي الديني من هذا الكم الهائل من الركام الذي اُدخل فيه والاحاديث المنسوبة للنبي عليه السلام ، وبالتالي الخلاص من الكثير والكثير من الفتاوي والآراء الفقهية المذهبية الضيقة و المقيتة التي ضيقت من افق هذا الدين وجعلت الاصر والاغلال على اهله واتباعه من خلال رجال الدين الذين تحركهم المذهبية من جهة و السياسة والراي الجمعي للاتباع من جهة اخرى ، والخوف على الناس وكأنهم اوصياء عليهم من جهة ثالثة مقابل البحث عن الحق وقوله والالتزام به.


المسطرة ( كتابُ الله العظيم ):

هذا الكتاب العظيم يُمكن بناء الكثير من القواعد المعرفية اعتماداً عليه ، وما يهمنا الان في بحثنا هذا هو القاعدة المعرفية المرتبطة بالاحاديث النبوية كيف يمكن بنائها اعتماداً على كتاب الله العظيم.

القاعدة تقول:
كل ما نُقل من قول او فعل منسوب للرسول او الى غيره من بعده و يُراد به الاستدلال لإقامة شعيرة او تشريع في دين الله يُعرض على القرآن ، فأن وُجِدا لهُ اصل او إشارة في القرآن تُؤيدُه يُقبل ، ويرفض كُل ما عدا ذلك.

اما اذا اختلف الباحثون في تأويل بعض آيات القرآن لإثبات صحة قول او فعل فيجب الا يُفضي هذا الخلاف الى تحريم ما لم يُحرمهُ الله وقد فصل سبحانه ما حرمه على عباده في كتابه العظيم ، كما يجب ان لا يُفضي هذا الخلاف الى رمي الاخر بالكفر او الخروج من الدين لمجرد انه خالفنا في التأويل.
وبهذا يُصبح ميدان النظر للباحثين هو كتابُ الله ، اما الاقوال والافعال المنقولة فميدانُها بعد موافقتها لكتاب الله انها مفاتيح اضافية لفهم كتاب الله وفهم احكامه وتشريعاته.

تطبيق القاعدة :
لو كان لدينا حديث صحيح وفق قواعد ظنية ( ثقة ، ثبت ، امين ..الخ ) ويخالف آية ، بأيُهم نأخُذ ، وعلى ماذا نعتمد ؟؟.

مثال تطبيقي:
هناك حديث صحيح ورد في صحيح مسلم وهو (نهى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أن يجمعَ الرجلُ بين المرأةِ وعمَّتِها ، وبين المرأةِ وخالتِها).
من خلال هذا الحديث المنسوب لرسول الله فهو (ينهى ولا يحرم) من الجمع بين المرأة وعمتها او خالتها ، الان دعونا نعرض هذا الحديث على القران ( المسطرة ) لننظر ماذا يقول.
القران يُحرم الجمع بين الاختين فقط قال تعالى : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا)

وفي الآية التي تلي الآية السابقة نرى القران يفتح المجال لغير ما حرمه بالنص ، قال تعالى (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۖ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ۚ فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ).

نحن امام امرين :

الاول : ان نُحرم ما احله الله في كتابه بناء على حديث (يقال عنه صحيح).
الثاني : ان نُحلل اعتماداً على اية قطعية.
الجمع بين الامرين مستحيل ، لذا دعونا نطبق ما ذكرنها اعلاه حول الظني والقطعي.
الحديث مهما بلغ من الصحة يعتمد على النقل ، والنقل يعتمد على الرواة والناقلين ، والرواة والناقلين يتم اعتمادهم والوثوق بهم من خلال تقييمهم بشكل ظني ، لذا فالحديث يبقى مهما بلغ من الصحة ظني الثبوت.
اما الآية محل الشاهد فهي قطعية الثبوت قطعية الدلالة ان التحريم فقط في الجمع بين الاختين وما عدى ذلك فهو جائز.

تقديم القطعي على الظني في الحلال والحرام اوجب ، لذا ووفق القاعدة اعلاه يُرفض الحديث ( الصحيح سنداً ) بناء على تعارضه مع القران.
ملاحظة : (ماذا يترتب على هذا الحديث من احكام ماذا يوافق هذا الحديث او يخالفه ، من اتفق ومن خالف هذا الحديث ليس محل البحث بل الحديث كحديث صحيح مقابل القران ).

مثال اخر صارخ في معارضة القرآن :
ورد في صحيح مسلم الحديث الصحيح التالي :

 سمعتُ أمَّ سلمةَ زوجَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ تقول لعائشةَ : واللهِ ! ما تطيبُ نفسي أن يراني الغلامُ قد استغنى عن الرضاعةِ . فقالت : لمَ ؟ قد جاءت سهلةُ بنتُ سُهيلٍ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ . فقلتُ : يا رسولَ اللهِ ! واللهِ ! إني لا أرى في وجه أبي حذيفةَ من دخولِ سالمٍ قالت : فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَأَرضِعيه " فقالت إنه ذو لِحيةٍ . فقالارْضَعيه يذهب ما في وجهِ أبي حُذيفةَ " . فقالت : واللهِ ! ما عرفتُه في وجه أبي حذيفةَ .

لنقف مع هذا الحديث لنتدبره ونعرضه على القرآن لننظر هل يتوافق في نصه او معناه مع القران الكريم.
الله سبحانه وتعالى لا يُجامل او يُحابي احد ، حتى سيدنا رسول الله لا يُحابيه او يُجامله في الحق قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ۖ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) ، القرآن يتدخل فوراً عندما حرم الرسول ( وعلى نفسه فقط ) امراً من امور الحلال مجاملة لأزواجه.
فكيف يتجاوز القرآن عن الرسول وقد اباح امراً لرجل من المسلمين يُعد من دواعي الزنا !!.

وقع كثير من رجال الدين في حرج امام هذا الحديث الذي يُعتبر حديث صحيح وفق مقاييسهم التي تعتمد على السند فقط ، فما كان منهم الا البحث عن تخريجه للخروج من مفهوم هذه الحديث الواضح وكان ذلك للأسف على حساب سيدنا رسول الله ، فقال بعضهم ان هذه الحادثة خاصة بمن قال له الرسول ان يفعل ذلك ، وقال اخرون ان الرضاعة لم تكن مباشرة بل كانت من خلال حلب الحليب في اناء ثم يقوم الرجل بشربه ، وقال غيرهم ان الامر ليس عاماً مطلقاً ولا خاصاً مقيداً بتلك الحالة فقط بل هو لحالات خاصة جداً يمكن معها ان تُرضع المرأة رجل كبير لكي يكون من محارمها !!.

عزيزي القارئ كُل هذا اللف والدوران لكي يُحافظوا على الحديث لأنهُ صح لديهم سنداً ، ولو رفضوه لاختل نظام البناء القائم على السند لديهم ، وسيُقال كيف ترفضون حديث صح سنده ؟؟.

مرة اخرى كل هذه التخريجات على حساب الرسول عليه السلام ، كيف ؟؟.
ان تُرضع امرأة طفل صغير لا زال في سن الرضاعة فهذا مقبول لدى الجميع عُرفاً وشرعاً ، ولكن ان تُرضع امرأة تحمل نفس وفِطرة سوية رجُل بالغ بحُجة ان يكون من محارمها فهذا ما لا تقبله أي امرأة عاقلة !!.
فكيف يأمر بذلك رسول الله !!.

لنذهب الى كتاب الله لننظر ماذا يقول حول الرضاعة ، قال تعالى (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ) ، الآية تتحدث عن الامهات الوالدات فلهن ان يُرضعن حولين كاملين اذا ارادت ان تتم الرضاعة ، معنى هذه ان المدة الطبيعية للرضاعة هي حولين وهذه هي الفترة التي يمكن ان تُرضع فيها المُرضع طفل اخر ليكون ابن لها من الرضاع ، اما بعد هذه المدة فلا يمكن باي حال من الاحوال ان تكون هناك رضاعة لطفل فكيف تكون هناك رضاعة لرجل بالغ !!.

نحن امام امرين :

الاول : ان نقبل الحديث وما يترتب عليه من احكام ، ونرفض تلك التخريجات الواهية لان موقف ام المؤمنين عائشة (كما يزعُمون في احاديث اخرى) واضح من العمل بموجب هذا الحديث ، وبالتالي لا نلوم من ارادت ان تأخذ بهذا الحديث وتطبقه مع رجل غريب كالسائق او السكرتير بناءً على هذا الحديث وبناء على اجتهاد ام المؤمنين.

الثاني : ان نرفض هذا الحديث المنسوب للرسول والرواية المنسوبة زوراً وبهتاناً على ام المؤمنين ، نرفض الحديث بناء على تعارضه مع القرآن العظيم من حيث ان القرآن حرم ان تكشف المرأة عن صدرها ناهيك ان تخرج ثديها لرجل غريب بحجة ارضاعه هذا من جهة ، ومن جهة اخرى الرضاعة التي تُحرم هي في الحولين الاولين فقط.

الهدف من هذه الامثلة هو شرح فكرة البحث وليس الأمثلة في ذاتها ، وذلك لتبيين ان المعرفة الدينية التي تقوم على قواعد ظنية لا يمكن ان تبقى او ان تثبُت امام المعرفة التي تقوم على قواعد قطعية ، فإما ان تتعارض معها وبالتالي تُرفض ، او ان تنسجم وتتوافق معها وبالتالي تُقبل ويؤخذ بها. لذا فكل ما عدا كتاب الله من العلوم الدينية لا يمكن البناء عليها ما لم تعتمد على كتاب الله في وجودها.

ايضاً كل الفتاوي والآراء الفقهية والاجتهادات التي بُنيت على احاديث ليس لها سند من القرآن يجب التوقف عن الاخذ بها لأنها لا تعدوا ان تكون راي لرجل من الرجال والدين عبادة خالصة لله وبكلام واوامر الله فقط.
الحكم لك ..


العاطفة لا تبني معرفة ولا دين :

بسبب العاطفة وتحزُبات المذاهب والخلافات التي حدثت ، عظّم كُل طرف موروثه مقابل الاخر حتى وصل الامر الى النزاع والتقاتُل لأمور ما انزل الله بها من سُلطان ، هذه العاطفة في تقديس الموروث جعلت من نقده امر مستحيل وبلغ تقديس هذا الموروث الى مرحلة ان الحديث يُمكن ان يُلغي آية بل آيات من كتاب الله.

حيث أضفو على (النقل) للنص الحديثي هالة وقداسة النص القرآني ثم سحبوا عليه حُرمة النص القرآني وعصمته ، ثم حاربوا كل من تسول له نفسه بنقده بتهمة نقد الدين !!.

واحرجهُم وجود تعارض بين القرآن وبعض (النقل) فكان لابد من البحث عن مخرج فكان ما يسمى بعلم (الناسخ والمنسوخ) وما ادراك ما الناسخ والمنسوخ ففيه ما نُسخ حُكمه وبقي رسمُه ، وما نُسخ رسمُه وبقي حُكمه ، وما نُسخ حكمُه ورسمُه ، كل هذا لان الحديث عندهم صح (سنده) ولا يمكن رده ولا مخرج الا في نسخ تلك الآيات !!.


الناسخ والمنسوخ هل يوجد اتفاق على آياته ؟؟.

هُناك راي او قاعدة جميلة لدى رجال الدين تقول اذا تعارض حديث صحيح مع حديث اقل منه في درجة الصحة يؤخذ بالحديث الصحيح ، وهذه قاعدة ممتازة وتصلُح لجميع مناحي الحياة الادارية والاقتصادية والسياسية وغيرها ، بحيث تُقدم المعلومة الاقوى على الاضعف.

والعجب كُل العجب وللأسف ايضاً انك تجدهم يكسرون هذه القاعدة الرائعة و يقولون ان الحديث ينسخ الآية !! ، مع علمهم ان الآية اقوى واثبت من اقوى حديث مهما بلغت صحته ، فلماذا هنا كسرتُم هذه القاعدة ، اسألوهم إن كانوا ينطقون ؟؟.

انتبه عزيزي القارئ تقديم الاخذ بالآية على (النقل) يخلق لديهم مشكلة كبيرة وهي ان النقل صحيح (سنداً) فكيف يمكن ان يتعارض قول الرسول (بزعمهم) مع قول الله في القرآن !!.

وهنا جاء الناسخ والمنسوخ وحمّلوا آية في القرآن كل هذا العبث الموجود في منهج الناسخ والمنسوخ وهي قوله تعالى (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).

يعتمدون في الغاء بعض آيات القرآن على امر ظني لذا وقع الخلاف بينهم حول ما هي هذه الآيات المنسوخة ، وهنا يأتي العبث فكل رجل دين او مذهب او مدرسة لها اجتهاداتُها في نسخ ما تراه من الآيات لذا تجدهم مختلفين في عدد الآيات المنسوخة فمنهم من قال انها تبلغ اكثر من مئتين وخمسين آية ومنهم من قال بأقل من عشر آيات !!.

عجيب أهكذا بلغ العجز بنا في فهم مراد الله من كتابه الى درجة ان نُلغي منه آيات دفاعاً عن امر ظني والله سبحانه وتعالى يقول عن كتابه (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ)  ويقول (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ).
ثم كيف نفرق بين الآية المنسوخة وغير المنسوخة وانتم يا رجال الدين لم تتفقوا على ذلك !!.

كل ذلك من اجل المحافظة على ما يسمى بعلم السند لأنه لو اختل لختل الكثير من بنائهم القائم على هذا العلم ، ولسان حالهم يقول هذا ما وجدنا عليه آباؤنا وأسلافُنا وسيضيع الدين ان نحن تركنا او فرطنا في ذلك !!.
ملاحظة : بعض الآيات ايضاً ينسخ بعضها بعض كما يزعم اصحاب هذا العلم.


ماذا اُريد :
احدهم ينتقدني ويقول هل تُريد ان تُلغي كل هذه الكُتب وكل هذه المدارس والمذاهب وهذه السنين الطويلة التي تراكمت فيها المعارف الدينية الاسلامية ، هكذا و بكل بساطة !!.

قلت وهل ترى ان الله عجز عن اتمام دينه ليأتي هؤلاء بكل هذه الكُتب والمصنفات والآراء المتضاربة والمذاهب المتناحرة لإتمام ما نقص من دينه !!.

يا سيدي انا لا اُريد ان اُلغي شيء وانما اطلب ان تُمتحن كل تلك العلوم والمعارف على المسطرة لنرى مدى استقامتها ومدى عِوجها ، وخوف من يخاف من هذا الاختبار انما ينبع من خوفه من معارضة الآباء والاسلاف وكأن الله استعبده باتباعهم ، والبعض الاخر يخشى ان تنكشف امور لا يُريدون لها ان تنكشف بزعم خوفهم على الناس او فتنتهم ، وكأنهم حُراس الدين او اوصياء الله على عباده ، والبعض يُقدس النقل كما يُقدس كتاب الله او اكثر !!.

الدين الاسلامي الذي جاء به خاتم الانبياء والمرسلين كأوامر ونواهي كحلال وحرام ليس معرفة تراكمية تتراكم عبر الزمن ، بالتالي كلما تقدم بنا الزمن زادت هذه الاوامر والنواهي من خلال رجال الدين وزادت كمية الحرام والحلال (الاصر والاغلال) ، فالمسلمين في كل مكان و زمان امام الحلال والحرام سواسية ، فالحرام ما حرمه الله في كتابه ، وما عدا ذلك يُنظر اليه من منظور المصلحة والمفسدة بالمنع والسماح ، ولا بأس ان يختلف الناس او الدول في ذلك وفق مصالحهم فهذا يمنع وهذا يسمح كلاً حسب زمانه ومكانه وبيئته ، ولكن من التعدي على دين الله ان يأتي احد ويحرم ما لم يحرمه الله في كتابه.

إنما هو دين الله يُخاطب به الرسول من كان في عصره ومن سياتي بعده بنفس المستوى من التكاليف حيث ان الله انزل عليه القرآن ليكون هادي الناس الى الحق ، فالمسلمون اولهُم واخرهُم امام القرآن سواسية ينهلون من نفس المصدر ويتدبرون من خلاله شؤون حياتهم ولا يحق لاحد ان يربط فهم القرآن بجيل سابق من السلف او غيرهم ، وهنا تتجلى حكمة الله وعدله في ان جميع الناس وعلى طول الزمان متساوون امامه في الاخذ من المنهل الصافي ، فلا من كان في عصر النبوة حرامهم غير حرامنا او حلالهم غير حلالنا ، فهم بالنسبة لنا وعاء نقل وليس وعاء معالجة.


نتيجة الجزء الاول :
هذا البحث يدور حول نقد قواعد البناء المعرفي الديني المرتبطة بالنقل ، وليس رد اقوال او افعال الرسول المتوافقة مع القرآن.

هذه بعض الأسئلة تُلخص مفهوم وفكرة هذا الجزء : 
-  هل اعتمد الله على البشر لحفظ دينه ، وما الدليل من قول الله تعالى ؟؟.
-  الصفات الاخلاقية كيف يمكن قياسها من قبل اكثر من شخص في بيئات وتحت ظروف مختلفة بحيث نحصل على نفس النتائج ؟؟.
-  النقل بكل ما يحتويه من علوم هل يعتمد في بنائه على قواعد ظنية ام قطعية ، وكيف ؟؟.
-  هل يمكن بناء معرفة دينية قطعية اعتماداً على قواعد ظنية ؟؟.
-  هل الاعتماد على المعرفة الظنية (( يُنجي يوم الحساب )).
-  هل المعرفة الدينية للملة اليهودية والمسيحية قطعية ام ظنية بالنسبة لهم ؟؟.
-  هل رجال الدين المسلمين يدخلون ضمن مفهوم هذه الآية (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ ) ؟؟.
-  كُتب الحديث اعتمدت في تصحيح ما تحتويه من احاديث على راي صاحب الكتاب في هذه الاحاديث ، فهل هذه العبارة صحيحة ؟؟.

كن انت الحكم ولا تجعل غيرك يحكم عنك ... لك.



الجزء الثاني :
من هم أهل الذكر الذين امر الله بسؤالهم في كتابه ؟.

....................................................................


كتبه / خالد بن حمد الدليمي 14/2/2017م ، واسعد بنقدكم البناء .
للتواصل عبر البريد الالكتروني : aldelaimi@gmail.com
تويتر : @aldelaimi_1
احترامي ،،،

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المسطرة الجزء السادس - آل وأهل كيف وردت في القران الكريم

المسطرة الجزء السادس آل وأهل كيف وردت في القران الكريم إهداء .. إلى تلك الظروف التي مرت بي او مررتُ بها ... إلى تلك اللحظات الحزينة ... إلى تلك الاماني التي لم تتحقق ... إلى تلك المحاولات الكثيرة الفاشلة ... إلى تلك الافكار التي جعلتني ابدو غريباً وسط بيئتي ... إلى تلك الساعات والايام التي شعرتُ فيها بالوحدة والغُربة ... إلى تلك التقلبات الفكرية والشتات الذهني والمذهبي ... اقول .. شكراً لكم فقد كُنتم العون والمعين لي في إرشادي وتحفيزي ليكون كتاب الله هو الفيصل لأفكاري.                                                                  خالد بن حمد الدليمي             ...

اذبحوا بقرة .. و مُفطِرات الصوم

اذبحوا بقرة .. و مُفطِرات الصوم كلنا نعلم قصة بني اسرائيل مع البقرة ، ونعلم ان القصة كانت ستنتهي من المشهد الاول لو انهم فعلوا ما يؤمرون به بدون مجادلة ، فالمجادلة مع الله لا تُضيق عليه الامر بل على المُجادل. يقول الله أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ۗ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ۖ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ۚ  وَكُلُوا وَاشْرَبُوا  حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ   الْخَيْطُ   الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ    الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ۚ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ما يهمني في طرح الله تعالى لمُفطِرات الصيام هو موضوع الاكل والشرب فقط ، فهذا خطاب واضح وبيّن ان الامر مرتبط بكل المواد...